Saturday, March 2, 2019

كوارث.. في الدول العربية


كوارث.. في الدول العربية


كلما نشهد حالة من الكوارث المرتبطة بالمواصلات (مثل حوادث القطارات المتكررة في مصر بسبب الاستهتار والإهمال وغياب الصيانة والفساد) أو بالأحوال الجوية التي تجلب فيضانات (مثل ما شهدناه في الأردن والسعودية، أيضاً بسبب الإهمال وسوء أوضاع البنية التحتية وغياب الصيانة و.... الفساد)، ألا يجب علينا أن نتساءل: كيف يمكن لهذه الدول أن تسعى وتؤكد حقها في امتلاك مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء؟
إذا كان الأمر - ومع ارتباطه بتقنيات غير خطيرة وليست معقدة مقارنة مع عالم الطاقة النووية - يؤدي إلى وقوع حوادث بالعشرات وفي كل المناسبات، ما يسفر عن سقوط ضحايا ومصابين، فضلاً عن الدمار الذي يلحق بالمباني والمؤسسات العامة والمساكن والمحلات التجارية، فكيف سيكون الحال مع منشآت تتطلب مستويات قصوى من التعقيد في الهيكلية والدقة في التعامل والحرص في تتبع إجراءات الأمن والسلامة، كما هو الحال مع المنشآت النووية؟
ما الذي سيحدث عندما يتم الإعلان، "بكل فخر" في مصر أو الأردن أو السعودية، عن إنشاء محطة نووية؟ بعد الاحتفالات بهذا الإنجاز والندوات التي ستعقد حول حكمة القيادات في تلك البلدان التي وضعتها في مصاف الدول المتقدمة التي تعمل على توفير الطاقة للمواطنين والاستغناء عن المشتقات النفطية.. بعد كل ذلك، ما الذي سيحدث؟ في دول أهم جملة يتناقلها الجميع ومن دون استثناء هي "أوكل الأمر لله"، على أمل أن الخالق سيضع الظروف التي تضمن أن يسير كل شيء على ما يرام، بالرغم من الفساد والإهمال والاستهتار بحياة البشر وغياب ظروف الحياة الكريمة.. ما الذي سيحدث؟
إن كان البعض يرى أن ما شهدناه في مصر بسبب حوادث القطارات أو في الأردن بسبب الفيضانات، هو كارثة وطامة كبرى، فما الذي سيقوله الجميع عند وقوع كارثة في منشأة نووية بسبب إهمال موظفين أو عدم التزامهم بإجراءات السلامة أو بسبب عدم وصول الأموال اللازمة لتنفيذ أعمال الصيانة في الوقت المحدد أو عندما تبدأ عمليات السرقة والنهب العام؟
علينا جميعاً أن نفكر: هل فعلاً نريد أن ندخل عالم الطاقة النووية؟ ألا تكفينا مصائبنا بوضعنا الحالي البعيد عن التعقيدات التكنولوجية والتطور في مجالات مثل الطاقة؟

Sunday, February 17, 2019

مسيرون أم مخيرون؟

مسيرون أم مخيرون؟
في مفترق الطرق القدري، من یحدد  الاتجاه الذي سوف یسلكه كل منّا؟

مفهوم "القدر" عاش معنا منذ بدء التاريخ البشري.. خاض فيه الفلاسفة، اللاهوتيون، العلماء، والسحرة.. ألهم الكثير من التراجيديات اليونانية والروايات.. له كذلك دور في حياتنا اليومية؛ فمَن منا لم يقل يوماً: "كان أمراً مكتوباً ومقدراً"؟ لكن البعض يؤمن بحريته الكاملة من دون وجود أي تأثير لما يسمى بـ"القدر".

قد تحمل كلمة "القدر" معاني مختلفة لأفراد وشعوب وحضارات مختلفة.. بالنسبة للقدماء، الذين لم یتمكنوا من التوصل إلى تفسیرات تعتمد على آلیة السببیة (أي وجود سبب یؤدي لظھور الأثر) حول الظواھر الطبیعیة والأحداث المرتبطة بالإنسان، كان القدر، أو المستقبل، مرتبطاً بآلھة متقلبة المزاج؛ آلھة لا یمكن التنبؤ بتصرفاتھا.. وكان الأسلوب الوحید لتوقّع المستقبل ھو تفسیر الأحلام، ربط أحداث معینة بتحركات الطیور في السماء، أو حتى ربطھا بتصرفات الكلاب.. الغریب في الأمر أن بعض ھذه المظاھر التي تعود إلى مراحل طفولة الجنس البشري لا تزال حتى الیوم قائمة؛ من أعمدة "حظك الیوم" أو "برجك" في الجرائد والمجلات إلى قراءة الكف والفنجان وغیرھا.


عملیة اختیار العصي للتنبؤ بالمستقبل (Chi-Chi).. في هذه اللوحة التي تعود إلى العام 1840، كان الصینیون یحاولون أیضاً ترجمة النتوءات على قوقعة السلاحف والتي جاءت منھا الرسومات الأولى الخاصة باللغة الصینیة.


على الجانب الآخر، ھناك مَن یعتقد – بشكل قطعي – بأن الإنسان سید نفسه وأنه مسؤول عن كل ما حدث في ماضیه وما سیحدث في مستقبله؛ أي أن خیاراته ھي التي توصله إلى أیة نتیجة قد یصل إلیھا.. ففي الوقت الذي یؤكد فیه أصحاب ھذا الرأي عبثیة فكرة القدر، ھناك من یعتقد أن الحریة الكاملة في حیاة الإنسان ھي مجرد وھم؛ إذ توجد عوامل اجتماعیة تحكم خط سیر الإنسان منذ ولادته، وھناك عوامل فسیولوجیة (الـ DNA مثلاً) تحدد خصائل الفرد الشكلیة والباطنیة.
ھنري فورد وُلد لعائلة متواضعة من المزارعین، إلا أنه تمكن من تأسیس امبراطوریة عالمیة لصنع السیارات Ford Motor Company.. تحول فورد بذلك إلى مثال حقیقي لما یسمى بـلحلم الأمریكي".. واعتماداً على ھذا المثال، یرى كثیرون في الولایات المتحدة وحول العالم أن أي شخص یمكنه استخدام عمله وقدراته من أجل خلق قدره بنفسه.
ما ھو احتمال تمكننا من تغییر الظروف التي نولد بھا ومعھا؟ وما ھي أنواع المجتمعات التي تسمح لنا بذلك؟

الدیمقراطیة
المجتمعات الدیمقراطیة ھي الوحیدة في السماح للأفراد باختیار قدرھم بأنفسھم؛ فلھم الحق في اختیار العمل الذی یریدون، اختیار مكان السكن، اختیار شریك الحیاة.. وھي خیارات غیر مفتوحة في المجتمعات المغلقة، التي لا تعتمد النظام الدیمقراطي بكلیته في حیاتھا السیاسیة والاجتماعیة.
الدیمقراطیة تسمح بأكبر قدر من الدینامیكیة الاجتماعیة.. المجتمعات المغلقة تعتمد على أطر تقسم المجتمعات إلى طبقات على أسس ھي في معظم الحالات دینیة؛ مثل نظام Caste في الھند أو الأنظمة التي لا تعطي الطبقة الاجتماعیة الخاصة بالأقلیات غیر العربیة أو غیر المسلمة حقوقا متساویة مع الأغلبیة في بعض الدول العربیة.. لكن في الھند، تم إلغاء العمل بنظام الطبقة الاجتماعیة، الذي كان یعني تحدید القدر والمستقبل لمن یولد في عائلة ما.


التأثیر الخارجي: قوانین المجتمع الذي نعیش فیه قد تؤثر بشكل مباشرعلى قدر الفرد؛ عمله، واختیاره لشریك حیاته.
النظام الذي یترك مجالاً أوسع 
للاختیار الحر ھو النظام الدیمقراطي.
في الأعلى، نظام الطبقة الإجتماعیة في الھند Caste ھو المحدد لقدر الفرد طبقاً لمستوى الأبوین.


السلطة الأبویة كانت (ولا تزال في بعض الدول) ھي المحرك المركزي وصاحبة القرار في كل ما یخص توجيه حياه الأبناء نحو مسارات معینة أو إجبارھم على تغییر المسارات التي لم یرغب الآباء في أن یسلكھا أولادھم.. أما فیما یخص البنات، ففي العدید من الحالات، وضعت تفسیرات دینیة متشددة حدوداً على أقدارھن.. فدورھن محدد بالواجبات الزوجیة والأمومة فقط، من دون اعطائھن حتى إمكانیة التعبیر عن رأیھن في القرارات المصیریة في حیاتھن.
إذا نظرنا إلى الحالة الاجتماعیة، نجد أن مستقبل أبناء العائلات الغنیة كان مضموناً دائماً، فھناك الدراسة والعمل والمركز الاجتماعي والمسكن المناسب وكل متطلبات الحیاة الكریمة؛ في حین أن حیاة أبناء العائلات الفقیرة كانت دائماً صورة مكررة لحیاة آبائھم وأمھاتھم في مشقة الحصول على المأكل والملبس والمسكن.. ھذه العوامل ھي حقائق كانت موجودة في مجتمعات الماضي وفي الكثیر من المجتمعات في یومنا ھذا.
أما في المجتمعات الصناعیة الیوم، فأساس التطور والتغییر في حیاة الفرد یعتمد على مقدار العطاء الذي یقدمه في عمله.. عندما كان القادمون الجدد یصلون إلى القارة الأمریكیة، تم خلق نظام جدید للتطور ألا وھو مشروع المبادرة الفردیة؛ ما أوصلنا الى مفھوم "الرجل العصامي" أي الذي صنع نفسه بنفسه Self-made man.. في المجتمعات، التي تخضع لأنظمة شمولية، نجد أن وظائف الأبناء تحكمها علاقات الآباء، وفي حالات كثيرة، يسلك الابن مسار الأب في العمل أو في أخذ نفس مكان العمل.. في بعض الحالات، يرث ابن رأس الدولة والده لسبب بسيط، ألا وهو أنه ابنه. 

التعلیم
في عالمنا الیوم، یلعب التعلیم دوراً في غایة الأھمیة في فتح أبواب أصبحت مغلقة تماماً أمام الأمیین أو ذوي مستویات الثقافة المتدنیة.. واحد من أھم ھذه الأبواب ھو، بطبیعة الحال، معرفة لغة ثانیة أو ثالثة.
بعد ذلك نجد أن الدرجات العلمیة أصبحت توفر إمكانیة التطویر الذاتي والتقدم في مجال العمل.. إلا أن أھم نوع من أنواع التعلیم ھو التعلیم الذاتي؛ أي استمرار الرغبة في المعرفة والاطلاع والمتابعة للتقدم والإنجازات في مجال الدراسة الأصلي وفي مجالات أخرى.. فلنتخیل شخصاً أنھى دراسته الجامعیة عام 1990 في مجال ما، ووجد عملاً جیداً یتناسب مع دراسته، إلا أنه انقطع عن القراءة والاطلاع في مجاله أو في المجالات الأخرى ذات العلاقة في السنوات التالیة.. بالتأكید، بوصوله إلى عمر الأربعین (في عام 2008 مثلاً)، ستصبح كل معلوماته من الماضي، وإذا لم یقم بمتابعة التطورات في حقله، فإنه سیتحول إلى عبء على الشركة أو المنظمة التي یعمل فیھا.. ولیس من المستغرب أن یتم الاستغناء عنه.. إذا علمنا أن متوسط عمر الإنسان یتراوح بین 65 و 80 عاماً، فكیف یمكننا الاعتقاد أنه أمر طبیعي أن لا یتعلم الإنسان شیئاً جدیداً بعد السن التي یكون عندھا قد أنھى دراسته الجامعیة؛ أي حوالي الثانیة والعشرین، سوف يعني ذلك انه لن یضیف إلى معلوماته شیئاً جدیداً طوال 43 إلى 58 عاماً؟

DNA
یخفي الحمض النووي كل أسرار القدر لكل شخص منا: الصحة والمرض، الشخصیة والمیول الإجرامیة.. قَدَر من الممكن فك شیفرته منذ لحظة حصول الحمل.. إلا أن بیرتران جوردان Bertrand Jordan رئيس الأبحاث في مركز (CNRS) Centre National de la Recherche Scientifique في فرنسا یؤكد أن ھذا لیس صحیحاً؛ فالأبحاث تبرھن كل یوم أن العامل الرئیسي ھو البیئة التي یعیش فیھا الإنسان وأسلوب حیاته في ھذه البیئة.. "حتى الطول والوزن لا یتم تحدیدھما من قبل الجینات فقط".
لدراسة ھذا الجانب، توجه الباحثون الى دراسة التوائم المتماثلة Identical Twins ووجدوا أنه عند تقدمھما في العمر یكون وزن كل أخ مختلف عن وزن الثاني، ما یشیر الى أن أسلوب حیاة كل منھما كان له تأثیر مختلف على طریقة عمل الجینات الموروثة.. الأمر نفسھه ینطبق على إمكانیة الإصابة بالسرطان والسكري أيضاً.

الکون
في الثالث عشر من أبریل 2029 ، سیمر كویكب ضخم بحجم استاد ریاضي على مسافة 35 ألف كیلومتر "فقط" من الأرض؛ أي أقرب من العدید من الأقمار الاصطناعیة، إلا أنه لن یصطدم بكوكبنا.. في الرابع عشر من سبتمبر 2099، سیقع آخر كسوف للشمس في القرن الحالي وسیغطي الظلام كندا والولایات المتحدة.. ھذه التنبؤات مصدرھا وكالة الفضاء الأمریكیة NASA وھي مؤكدة تثبت، في الوقت ذاته، وجود مستقبل "مكتوب" بالفعل یمكن للعلماء فك شیفرته بواسطة معادلات ریاضیة معقدة وبمساعدة أجھزة كمبیوتر متفوقة.. لكن ھل كل الأمور الخاصة بكوننا مثل ھذه؟
الحقیقة أنه من غیر الممكن توقع كل الأحداث بالدقة ذاتها، فكما أكد عالم الریاضیات الفرنسي ھنري بوینكاریه Henry Poincaré، فإن تغییراً بسیطاً في العوامل الإبتدائیة لإحدى الظواھر الجویة قد یؤدي في نھایة المطاف لإیصالنا إلى حالة جویة مخالفة تماماً لما تم توقع حدوثه مسبقاً.. كذلك نجد أنه في عالم الجسیمات الذریة المتناھیة في الصغر، لو تمكنا من معرفة موقعھا في لحظة ما فإننا لن نعرف "ما الذي تفعله" في اللحظة ذاتها.
إذاً، الطبیعة تضع حدوداً لقدرتنا على معرفة تصرفات الجسیمات الذریة، وبالتالي لا تسمح لنا بتوقع المستقبل بكلیته.

المشعوذون
في كل مراحل التاریخ الإنساني، كانت ھناك رغبة في معرفة ما یخبئه القدر للفرد أو للمجتمع أو للدولة ككل.. لھذا ظھر المشعوذون والدجالون الذین كانوا یتظاھرون بمعرفتھم بأسالیب التنبؤ بالمستقبل.. بعضھم حاول ربط الظروف الطبیعیة التي تسبق كارثة معینة لكي یتمكنوا من توقعھا في المرات اللاحقة (أي أنھم كانوا یعمدون الى خلق نظام عملي زائف یشبه الطریقة العلمیة المعروفة لنا الیوم).. في حین أن البعض الآخر قام باختلاق طرق أخرى لا أساس لھا من الصحة في توقع المستقبل.. في بعض الحالات، كانت توقعاتھم تتحقق (ولو جزئیاً)، إلا أنه طبقاً لقوانین الاحتمالات التي نعرفھا الآن، العدد الأكبر من توقعاتھم لم یتحقق.. من ھذه الطرق نجد التنبؤ باستخدام لھب النار، أو باستخدام الماء.. ثم كان ھناك التنبؤ باستخدام الحیوانات والطیور.. ثم تطورت الأمور، واتجه المشعوذون للتطلع إلى السماء وقراءة المستقبل من تحركات النجوم والكواكب، هذا فضلا عن قراءة الكف أو استخدام ورق اللعب.. بعض ھذه الظواھر لا یزال موجوداً حتى الیوم.


منذ بدء البشریة، نظر الإنسان الى السماء لیلاً وحاول فھم تحركات الأجرام السماویة.
في معظم الأحیان، كان یحاول فھم التحركات من أجل التنبؤ بالمستقبل.
الیوم یمكن للعلم التنبؤ بتحركات الأجرام السماویة لعشرات السنین، لكن من غیر الممكن ربط ھذا بقدر الإنسان.


الواقع ھو أن البحث عما یخفیه المستقبل ھو عامل مزروع في طبیعة الإنسان الخائف من الغد والراغب في حمایة نفسه وأفراد عائلته من المخاطر التي لا یعرف عنھا بعد.
لكي یتمكن أي مجتمع من التخلص من ھذه الظواھر، علیه ألا یركز على محاربة المشعوذین والدجالین أولاً، بل علی تثقیف أفراده بأسالیب منطقیة، علمیة، وطبیة، وأن یوضح لھم أن الإجابات الصحیحة تأتي من ھذه الأسالیب فقط.

المقال نشر للمرة الأولى في العدد رقم 18 من مجلة آفاق العلم عام 2008.

Friday, December 21, 2018

The root cause for the myriad of different problems in the Middle East

Saturday, December 8, 2018

التعديلات الجينية.. هل سنشهد قريباً ظهور البشر الخارقين؟



ما هو مسار التطور العلمي، في أي مجال، على مر التاريخ؟

كما جرت العادة، البداية بالنسبة إلى الإعلام والمؤسسات الحكومية والدينية هي شجب التجربة العلمية وما ينتج عنها ورفض فكرة تطبيقها، ثم وصفها باللاأخلاقية والدعوة إلى اتخاذ خطوات قانونية تجرمّها وتهدف إلى الحيلولة دون تكرارها، وإصدار الفتاوى والآراء الدينية التي تؤكد أنها ضد المبادئ، التي أكدتها الكتب السماوية، وبالتالي تحرمّها وتصفها بأسوأ الكلمات التي تحط من قدرها وتضع القائمين عليها في صفوف الشيطان أو المرضى النفسيين Psychopaths.

الوصف في الأسطر القليلة السابقة لا يرتبط، بالضرورة، بالحالة التي سيتحدث عنها هذا المقال، فهو أمر تكرر عبر التاريخ، وأمر شهدناه وقرأنا عنه مراراً في أزمنة ومواقع جغرافية مختلفة، فهو مرتبط مثلاً بما حدث لجيوردانو برونو وجاليليو جاليلي، عندما أكدا، وبشكل منفصل، أن الأرض ليست مركز الكون؛ وهو ما خالف أسس مدرسة أرسطو، التي اعتمدتها الكنيسة الكاثوليكية كجزء من عقيدتها الدينية... هذا الأمر كان كافياً للكنيسة آنذاك من أجل محاكمتهما وإصدار أحكام ضدهما بسبب وقوفهما وراء أفكار تخالف المعتقدات المسيحية (التي كانت هي قوانين الدولة، فالكنيسة كانت تمثل الزعامة السياسية أيضاً).. لذلك قضت بإعدام الأول حرقاً، وبسجن الثاني في منزله حتى موته.
 
محاكمات العلماء.. إلى اليمن، جيوردانو برونو، وإلى اليسار غاليليو غاليلي.
لماذا بدأنا هذا المقال بالعودة إلى الماضي؟ لأن شيئاً لم يتغير؛ مع كل ما حققته البشرية بسبب التقدم العلمي والتطبيقات التكنولوجية التي تبعته، وفي مجالات عدة، لانزال في حقيقة الأمر ثابتين عند تلك النقطة، نرفض التحديث ونحارب كل ما هو جديد ونشكك في أي أمر يهز أرض معتقداتنا، التي نؤمن بأنها أرض ثابتة صلبة، لن يطرأ عليها أي تغيير.

اليوم، نواجه أمراً مشابهاً تماماً.
بعد عقود من البحث والدراسات في مجال الوراثة والجينات وأسرار الحمض النووي، توصلنا إلى فهم أكبر فيما يتعلق بأجسادنا وفسيولوجيتنا وأسباب إصابتنا بالأمراض، أو بالأحرى قابليتنا للتعرض لها... نحن الآن ندرك أن هناك جينات مسؤولة عن كل جانب من جوانب حياتنا، من القدرات العقلية والجسدية، إلى قابلية أجسامنا للحصول على حياة طويلة أو قصيرة، إلى نوع الشخصية التي سنمتلكها.

لماذا تمت هذه الدراسات، ولماذا قضى علماء عديدون سنوات وسنوات فيها؟ للتوصل إلى فهم شامل حول الحياة، وللمساهمة في تحسين ظروف معيشة كل منا، والدفع باتجاه التوصل إلى علاجات لأمراض لا تزال تفتك بالملايين حول العالم.

البداية في أي حرب على أي مرض هي بفهم مسبباته وآلية عمله للتمكن من وضع دواء يشفي من يصاب به، أو يحول دون الإصابة أساساً به؛ مثلاً عبر اللقاحات الطبية التي تقدم للأطفال لمنع إصابتهم بالأمراض الخطيرة لاحقاً في حياتهم.

العالم الصيني "هي جيانكوي" He Jiankui المتخصص في علم الأحياء، والذي يشغل منصب أستاذ مساعد في الجامعة الجنوبية للعلوم والتقنية في الصين، أعلن ولادة توأم (أختين) قام هو بالإشراف على عملية تعديلهما جينياً في رحم أمهما، لماذا؟ للحيلولة دون إصابة أي منهما بمرض الإيدز... بالطبع هذا الأمر تم للمرة الأولى في تاريخ البشرية. 
هي جيانكوي
من المنطقي أن تكون ردة الفعل إيجابية، فالطفلان سيكونان في مأمن طوال حياتهما، ولن يتعرضا أبداً للإصابة بمرض لم يتمكن الأطباء والباحثون من التوصل إلى علاج له حتى يومنا هذا... لكن ما حدث كان مختلفاً، الإعلام بدأ بشن حملات ضد العالم الصيني، السياسيون اتهموه بالقيام بعمل مخالف لأخلاقيات العمل العلمي والطبي والإنساني، والمؤسسات الدينية سارعت إلى مهاجمته وتحقير إنجازه وتحريم ما قام به ووصفه بأنه يحاول لعب دور الله.

في حقيقة الأمر، هذا الدور لعبه العلماء منذ قرون، وبنجاح؛ فقد تمكنوا من تفسير أسباب الإصابة بالأمراض والتوصل إلى علاجات وأدوية تمكن المصابين من التغلب عليها ومواصلة حياتهم، بدلاً من المعتقدات بأن أرواحاً شريرة هي التي تقف وراءها... العلماء والأطباء، فهموا طبيعة مشكلات صحية كانت تؤدي في معظم الحالات إلى الموت في الماضي، وتمكنوا من حلها باستخدام أقراص أو حبوب تواجه الميكروبات والفيروسات التي تسببها، بدلاً من انتظار القدر والاكتفاء بالدعاء والصلاة للمرضى، الذي يعانون ويتألمون بشكل تصاعدي حتى وصول لحظة الموت... العلماء شرحوا لنا كيف يعمل الكون وأوضحوا لنا قوانينه وفسروا لنا الليل والنهار، بدلاً من أفكار الأرض المسطحة التي تدور حولها الشمس والكواكب والنجوم.

واليوم، يريد الإعلام والسياسيون والمؤسسات الدينية منع وصولنا إلى المرحلة القادمة من التطور البشري؛ مرحلة سيكون لدينا فيها أشخاص يمتلكون مناعة ضد الأمراض، قوتهم الجسدية والعضلية أفضل بمرات مقارنة مع حالنا اليوم، قدراتهم العقلية تكاد تشبه من نصفهم اليوم بالعباقرة، حواسهم متطورة، ويمكنهم العيش لعقود طويلة إضافية مقارنة مع متوسط الأعمار الحالية في العالم... بمعنى آخر، سيكون لدينا أفراد يمكن أن نسميهم البشر الخارقين Superhumans.

هل من سبب للاعتراض على هذا الأمر؟ هل يمكن للتفكير السليم أن يرفض صورة هذا المستقبل المشرق للبشرية؟ بالطبع لا... لكن الذين يعترضون على هذا الإنجاز العلمي يسألون: لو تحقق هذا الأمر، ماذا سيحل بنا، نحن البشر "العاديين"، عندما نصبح الأقلية ويصبح العالم خاصاً بالـ Superhuman؟

Tuesday, December 4, 2018

Nietzsche and Ascetic Priest



Nietzsche is considered to be one of the most influential philosophers and thinkers in history. His thoughts and views regarding a variety of issues created a new and, somewhat, independent school of thought.
            In many of his works, Nietzsche tries to find a new foundation for the western civilization, creating a new set of thoughts that replaces the already-existing basis. His philosophy states that morals which, in great part, depend on the heritage of religions that are mostly based on the Judeo-Christian concepts and that define good and evil and identifies the relation of man with his reality, should be re-evaluated.
            His criticism of religion was one of the most evident aspects of his philosophy. Collier regards Nietzsche as one of those who made the most effective arguments against religion in the last one hundred and fifty years. The author states that religion for Nietzsche is “part of a slave rebellion in morals - a substitute for the unsuccessful slave rebellion in reality” (Popora et al.).
           Even the basic concepts such as the definition of good and evil have been presented differently, as, according to Nietzsche, the definition is related to weakness and strength: Nietzsche defines the Christian religion, saying that it represents “everything weak, low, and botched; it has made an ideal out of antagonism towards all the self-preservative instincts of strong life.” On the other hand, Nietzsche’s concept of good is described as: “All that enhances the feeling of power, the Will to Power, and power itself in man. What is bad?--All that proceeds from weakness. What is happiness?--The feeling that power is increasing,--that resistance has been overcome.” He also explained his ideas about Christianity with the following: “I call it the one immortal blemish upon the human race” (Nietzsche and and Hollingdale 127).
                       
THE ascetic priest
            According to Merriam Webster Online Dictionary, an ascetic person is one who is “practicing strict self-denial as a measure of personal and especially spiritual discipline,” which means that he/she is an individual who leads a life of reflection and a painstaking process of self-denial for reasons that are strictly related to religion.
            The ascetic ideal “valorizes self-denial, and stigmatizes satisfaction of the rapacious and sensual desires” (Leiter 261).
            Nola gives us a more thorough definition when he states that the word “ascetic comes into English from the Greek ‘asketes,’ monk or hermit. In classical Greek the word ‘asketo’ meant training in general, such as in athletics or gymnastics, or for the arena, etc. And the word ‘askesis’ meant a way of life involving training. It can easily be seen how the word was adapted to refer to those who indulged in a training of the self in denial and sever abstinence” (505).
            The ascetic priest lives in self-denial, refuting the natural world in its entirety. According to this view, this priest’s initial view of life is one of disgust because it brings nothing more than suffering and hurt. According to the religious view, life as we know it began with a mistake and is going on in its path as a punishment for that mistake, and the main purpose of living it is to reach the starting point; the point where it all commenced.
            Nietzsche, in the passage in question, explains his view regarding the ascetic priest by explaining the contradiction which is evident in the fact that this figure has been present in almost all historic periods, which signifies that it logically should represent some kind of an element facilitating the lives of man throughout his existence on this earth, but, in the same time, it has always been a figure that rejects life in all its aspects, as it awaits impatiently its end. The ascetic priest regards life as an evil that brings nothing but suffering and unnecessary pains to those who make part of it.
            Nola explains Nietzsche’s view regarding the resentment which is able to support the priest's denial of himself and of life, by stating that “it grows and becomes triumphant; but it does so at the expense of other instinctual capacities for life. There are diminished and ultimately stunted or crushed.” The author highlights the way in which resentment works: “resentment plays a leading role in causing the periods to lead an ascetic life;” and it “is an instinctual drive in priests, and is a particular manifestation of the will to power enabling them to master life itself, that is to resist all the impulses to life and to be hostile to it while continuing to live” (505).
            Nietzsche states that ascetic priests attempted, in all possible ways, to dominate humans in every matter related to their being; their most important objective is to dominate the most essential element: The ascetic priests’ “will to power which seeks not to master some isolated aspect of life but rather life itself, over its deepest, strongest, most basic conditions” is the most evident element in their school of thought (On the Genealogy of Morals III,11). And this, according to Nietzsche, can be seen in the way that religious figures always tend to force their ideas concerning the meaning of life and its purpose and the way it should conducted, and they tend to reject all opposing opinions, in some cases even violently.
            According to Nietzsche, philosophers, throughout history, relied on the ascetic ideals in their views. Clark explains the views of Nietzsche by stating that philosophers “have accepted... an ‘other-worldly’ account that reflects the ascetic priest’s devaluation of human existence.” According to the author, philosophers established their concept of morality through the rejection of sensual pleasures that are “necessary for the development of a higher spirituality.” As a matter of fact, Clark affirms that Nietzsche believed that “the philosopher’s understanding of higher spirituality (as excluding sensuality) derives from the priest's ascetic ideal.” This leads us to the most important factor in Nietzsche’s argument which is that philosophers, according to his point of view, should “discard the ‘repulsive and gloomy caterpillar form’ they borrowed from the ascetic priest” (170).
            Another author who attempts to go through the ideas of Nietzsche regarding the issue of the ascetic priest is Strong, when she states that
The ascetic priest alleviates temporarily the disasters of moral life. Nietzsche lists the “innocent” means as (a) reducing the feeling of life to its lowest point (e.g. yogic trance), (b) mechanical activity, (c) “petty pleasures,” and (d) the formation of a herd. Such means are referred to as “innocent,” because they are all generally approved by the society that they are keeping together. In using these diverse means, the ascetic priest is not curing men of increasingly “dominating sense of pleasure” - he is no physician. Rather he is merely alleviating the discontents by providing temporary palliatives (255).

            Strong describes the method in which the ascetic priest, according to Nietzsche, preserves his ideals, and that is through the protection of a specific kind of life and through keeping it from “crashing through nihilism into nothingness.” Most probably, the will to remain in power over the rest of the people came out as a result of this protective instinct that ascetic priests have to protect their realm: “The ascetic priest can tolerate no power... on earth... which does not first... receive a meaning, a right to exist, a value as a tool to the ascetic ideal, as a way and means to its goal. Such an ideal triumphs so completely that there is simply no opposition” (255-256).
            Contrary to what the reader may be expecting, we find that Nietzsche does not argue against the principal ascetic ideal; instead he finds it somewhat positive, as it gives man the possibility to observe the various matters of life from a different point of view. After having explained the contradictions in the ascetic ideals and basic thoughts, we must keep in mind that, as Nietzsche suggests, we cannot consider the ascetic ideal as a wrong one because no point in life is objective in an absolute manner. Nietzsche states that only through achieving the possibility of observing the angles of life from different perspectives can we achieve knowledge. Bishop suggests that Nietzsche has a certain fondness for ascetic priests and for their ideals, as “the resolute will of the ascetic priest to transform life in something Nietzsche genuinely appreciates. For asceticism has provided the most significant means for humans to overcome their animal-level existence - ascetics do not shrink from their psychological endowment, but flourish in it” (313).
           
           

CONCLUSION
            The main point in Nietzsche’s criticism of the ascetic priests (and the ascetic ideal) is the attempt of enforcing their thoughts regarding morality (thoughts which originate from the Christian teachings) over society and individuals. The most significant factor is that the ascetic priest always tries to put what is important in his view above what is needed for the advancement of human life and society. The continuous attempt to undermine what is necessary for human life and to label many of its requirements as immoral, is of crucial importance when it comes to the opinions of Nietzsche, this includes the general view of life itself and the creation of a moral aspect from the suffering of humans. By doing that, the ascetic priest exercises the ultimate power over humans because he represents himself as the source of true knowledge and the path to the divine, which leads him to dominate everyone and lead them as herds.
            Ackermann gives us a better explanation of how philosophy and ascetic ideals can be of benefit to humans, by suggesting that
The three great slogans of the ascetic idea - poverty, humility, and chastity - are always encountered in the lives of great, fruitful, inventive spirits. These ideals are not virtues, as claimed by the apologetics of philosophers, but the painful natural conditions of their most creative existence. The asceticism of poverty, humility, and chastity does not ultimately mark the deepest link between philosophy and the ascetic ideal. Values change over time, for example, suffering, which was once a virtue, but is now a vice. (102)
            The ascetic priest spreads his views in an attempt to exert power over the people. Explaining the suffering and pain, which are a misfortune, as the source that allows us to live; while any attempt to reach any acts of will, such as health, strength, or happiness, is presented as something beyond reach. Not only that, but the ascetic ideal affirmed the fact that accepting such views is a precondition to the correct aspect of living.
            The ascetic priests, by rejecting all the things that this life offers and determining that humans have no choice in any of the factors formulating any aspect of their lives – calling on them to accept whatever suffering and pain as, by doing so, they go on the path towards another life – are in total contradiction with their desire to dominate every aspect of people’s lives. And this, according to Nietzsche, is the greatest contradiction of all.

Works Cited
Ackermann, Robert John. Nietzsche: A Frenzied Look. Amherst, MA: The university of   Maccachusetts Press, 1990.

‘Ascentic.’ Merriam Webster Online Dictionary. 2006. 7 December 2006
            <http://www.m-w.com/dictionary/ascetic>

Bishop, Paul. Nietzsche and Antiquity: his reaction and response to the classical tradition.             Rochester, NY: Boydell & Brewer Inc., 2004.

Clark, Maudemarie. Nietzsche on Truth and Philosophy. New York, NY: Cambridge University   Press, 1990.

Leiter, Brian. Routledge Philosophy Guidebook to Nietzsche on Morality. London, England:       Routledge, 2002.

Nietzsche, Friedrich, and R. J. Hollingdale. The Twilight of the Idols and the Anti-Christ.            London, England: Penguin Group, 1990.

Nietzsche, Friedrich. On the Genealogy of Morals - A Polemical Tract. 1887. Malaspina    University-College. 2001. 7 December 2006
            <http://www.mala.bc.ca/~johnstoi/Nietzsche/genealogy3.htm>.

Nola, Robert. Rescuing Reason: A Critique of Anti-Rationalist Views of Science and Knowledge.             Dordrecht, The Netherlands: Kluwer Academic Publishers, 2003.

Porpora, Douglas V, et al. Transcendence: Critial Realism and God. London, England:      Routledge, 2004.

Strong, Tracy B. Friedrich Nietzsche and the Politics of Transfiguration. Champaign, IL: University of Illinois Press, 2000.