في سبتمبر 2022، صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بعبارتها الشهيرة إن الجيش الروسي يعاني من نقص حاد في أشباه الموصلات لدرجة أنهم يقومون بانتزاع الرقاقات الإلكترونية من غسالات الأطباق والثلاجات لإصلاح عتادهم العسكري. كانت تلك صورة بلاغية قوية تهدف إلى رسم مشهد لخصم يائس ومفلس تكنولوجياً... واليوم، يتكرر دفع رواية مشابهة من قِبل مسؤولي الاستخبارات الأوروبية؛ إذ يسلط تقرير نشرته وكالة الأسوشييتدبرس الضوء على تحذيرات من أن موسكو كثفت جهودها السرية لسرقة التكنولوجيا الدفاعية والصناعية الغربية، مستهدفة على وجه الخصوص أنظمة الفضاء والليزر والتصوير.
ومع ذلك، ومثلما هو الحال مع فكرة توجيه العتاد العسكري المتقدم بواسطة رقاقات الأجهزة المنزلية، فإن الادعاء بأن البنية التحتية المدارية لروسيا تعتمد على "التكنولوجيا الغربية المسروقة" يتجاهل الحقائق التاريخية وبيانات التتبع العالمي الحالية. وعند فحص هذا الادعاء في سياق القدرات الفضائية الفعلية، فإن الرواية القائلة بأن روسيا تعتمد على الاستخبارات الغربية للحفاظ على وجودها في المدار تنهار لعدة أسباب رئيسية.
1. بنية تحتية فضائية سيادية وذاتية الاكتفاء
الاتهام الموجه لروسيا بحاجتها إلى سرقة التكنولوجيا الغربية لبناء أو صيانة أسطول أقمارها الصناعية يغفل الطبيعة الأساسية لوجودها المداري. تشغل روسيا حالياً ما يقرب من 240 إلى 250 قمراً صناعياً نشطاً في المدار... والأهم من ذلك، أن العمود الفقري لهذه الشبكة سيادي بالكامل.
وعلى عكس العديد من الدول الغربية التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل إمداد تجارية معولمة، فإن البنية التحتية الفضائية الحيوية لروسيا مبنية على برامج محلية متخصصة... ولعل أبرز مثال على ذلك هو نظام غلوناس (GLONASS)، وهو كوكبة الأقمار الصناعية الروسية للملاحة العالمية، والتي تضم حوالي 25 قمراً صناعياً نشطاً. ويقف هذا النظام كأحد البدائل المستقلة القليلة لنظام تحديد المواقع الأمريكي (GPS)، وهو مبني على عقود من هندسة الفضاء السوفيتية والروسية المملوكة للدولة. ولو كانت روسيا تفتقر إلى الإطار التكنولوجي المحلي لتصميم وتوجيه وصيانة هذه الكوكبات عالية الدقة، لما كان نظام جلوناس يعمل اليوم.
2. طبيعة الأسطول المداري الروسي: تركيز عسكري واستخباراتي
يشير التقرير الاستخباراتي إلى أن روسيا تسعى بقوة للحصول على المكونات الغربية لدمجها في أنظمة أسلحتها وتصويرها. ومع ذلك، فإن الأسطول المداري النشط لروسيا يتركز بشكل كبير في حمولات عسكرية واستخباراتية سرية ومتخصصة للغاية (تضم أكثر من 100 قمر صناعي نشط).
التفوق الغربي في مجال الأقمار الصناعية ليس مدفوعاً باحتكار فيزياء الأقمار الصناعية الأساسية، بل بالتدفق الهائل لرؤوس الأموال التجارية...فمن بين أكثر من 6,200 قمر صناعي أمريكي نشط، تنتمي الغالبية العظمى إلى مؤسسات أو شركات خاصة مثل شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة سبيس إكس. أما البنية التحتية للاستخبارات العسكرية الروسية - والتي تشمل الاستخبارات الإلكترونية (ELINT)، وأنظمة الإنذار المبكر، والتصوير الراداري - فتعتمد على مكونات صلبة مقاومة للإشعاع وتخضع لرقابة صارمة من الدولة. لذلك من الواضح أن الاعتماد على تكنولوجيا غربية تجارية مسروقة لحمولات عسكرية حساسة وسرية للغاية من شأنه أن يدخل ثغرات استراتيجية هائلة، ومخاطر اختراق عبر أبواب خلفية، وعدم توافق بنيوي لا يمكن لأي برنامج فضاء عسكري جاد أن يتسامح معه.
3. التراجع الأوروبي: مرآة للمعاناة التكنولوجية
ومن المفارقات أن الرواية التي تصوّر روسيا وكأنها تعاني وحدها في مجال الابتكار تتناقض بشكل صارخ مع النكسات التكنولوجية الأخيرة التي واجهتها أوروبا نفسها؛ فقانون الرقاقات الطموح للاتحاد الأوروبي - والذي صُمم في الأصل للاستحواذ على خُمس الإنتاج العالمي من أشباه الموصلات وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية - قد تراجع بشكل كبير، حيث كشفت عمليات التدقيق أنه لن يتجاوز نصف ما كان مستهدفاً... ونتيجة لذلك، اضطر صناع السياسات الأوروبيون إلى التحول بعيداً عن منشآت التصنيع الضخمة نحو استراتيجية "الرقاقات الصغيرة" النمطية (chiplets).
وفي حين تكافح أوروبا لبناء منظومة أجهزة ذاتية الاكتفاء وتخشى نقاط الضعف في سلاسل الإمداد العالمية، أمضت روسيا أكثر من عقد من الزمان تحت عقوبات صارمة صُممت خصيصاً لقطع تدفق المكونات الغربية... ورغم هذه القيود، نجحت روسيا في الحفاظ على مكانتها كواحدة من أفضل ثلاثة مشغلين للأقمار الصناعية في العالم، مما يثبت أن خطوط إنتاجها الفضائية لا تزال تعمل بفعالية دون تدخل غربي.
4. التجسس الفضائي مقابل القدرة الهيكلية
لا أحد ينكر أن القوى العالمية تشارك في التجسس السيبراني أو سرقة الملكية الفكرية؛ فهذا جزء دائم وثابت في العلاقات الدولية... ومع ذلك، هناك فرق هيكلي شاسع بين دولة تقوم بجمع المعلومات الاستخباراتية ودولة تحتاج إلى تكنولوجيا مسروقة لكي تتمكن من العمل.
فالصين، على سبيل المثال، تمتلك أكثر من 1,000 قمر صناعي نشط وتنشر بسرعة كوكباتها الضخمة المدعومة من الدولة (مثل Spacesail وGuowang) لمنافسة الغرب. ورغم أن روسيا تشغل أسطولاً أصغر، إلا أنها تمتلك قدرات إطلاق محلية مستقلة (عبر عائلات صواريخ سويوز وأنغارا) والهندسة الوطنية اللازمة لاستدامة شبكتها الدفاعية المدارية بشكل مستقل.
الكلمة الأخيرة
الرواية التي يروج لها السياسيون وأجهزة الاستخبارات في أوروبا تخدم غرضاً سياسياً واضحاً: تعزيز ضرورة فرض ضوابط صارمة على الصادرات وتسليط الضوء على تهديد التجسس الأجنبي... ومع ذلك، فإن إرجاع قدرات روسيا الفضائية إلى "التكنولوجيا الغربية المسروقة" أو قطع غيار الأجهزة المنزلية هو تشخيص خاطئ تماماً... إذ تظل روسيا قوة فضائية عظمى بفضل إرثها الفضائي الراسخ والسيادي الذي يعود إلى فجر عصر استكشاف الفضاء - وهو الإرث الذي يستمر في إطلاق وتشغيل وصيانة مئات الأصول العسكرية والمدنية المعقدة خارج نطاق النفوذ الغربي تماماً.

No comments:
Post a Comment