Friday, March 20, 2015

نظرية التطور .. النشـوء والارتقـاء

عدد شهر مارس 2015 من النسخة العربية من مجلة National Geographic صدر بعد أن قرر القائمون عليها في أبوظبي حذف ما يتعلق بنظرية التطور من الغلاف الذي كان عنوانه الرئيسي "حرب ضد العلم".. ليختاروا بذلك أن يكونوا مع الأشخاص المنضوين تحت راية الحلف المعادي للعلوم.

المقال التالي نشر في العدد رقم 25 من مجلة "آفاق العلم" والذي صدر عام 2009.


نظرية التطور .. النشـوء والارتقـاء

فسرت لنا كیف أنه من الممكن تطور أنظمة حیة معقدة من بدایات بسیطة جداً.. إلا أنھا أشعلت كذلك مواجھة كبیرة بین المؤسستین العلمیة والدینیة.


الفرضیة التي وضعھا داروین حول التطور في كتابه أصل الأنواع عام 1859 وجدت خلال قرن ونصف عدداً كبیراً جداً من الأدلة التي تثبت صحتھا.. ومع أن بعض الآلیات الرئیسیة التي یعمل وفقھا التطور لا تزال محل نقاش بین العلماء، فالأغلبیة الساحقة في الوسط العلمي تقبل النظریة كحقیقة علمیة مثبتة.. تفسیر الكیفیة التي تتحول فیھا الكائنات الحیة وتتبدل خلال ملایین السنین یعتمد على العوامل التالیة.



الانتقاء الطبیعی
كل كائن حي من أي نوع قادر على الحیاة لزمن طویل أو قصیر وفقاً للأسلوب الذي یكون فيه قادراً على التأقلم مع ظروف البیئة المحیطة به.. إذا كان جسمه قادراً على مقاومة الأمراض، وكان قادراً على العثور على غذائه وعلى التھرب من أعدائه الطبیعیین؛ فسیكون قادراً على الحیاة لفترة أطول.. وھكذا، كلما استمر نوعه في الحیاة لعدة أجیال، فسیطور مواصفات جسدیة أكثر فائدة له فیما یتعلق بالبقاء: أسنان حادة أكثر، أطراف أطول، بصر أكثر حدة، حاسة شم أقوى وغیرھا... في الطبیعة،
كلما عاش فرد ما زمناً أطول، كلما كان أكثر قدرة على التكاثر؛ ما سیؤدي إلى أن یبث إرثه الجیني من خلال صغاره  وخصوصاً الصفات المتعلقة بالقدرات الإیجابیة التي اكتسبھا خلال حیاته (كمقاومة الأمراض وامتلاك الأسنان الحادة).. ھذه العملیة التي تشمل اختیار الجینات الأفضل (وبالتالي الصفات الأكثر تطوراً) ھي جوھر مبدأ الانتقاء الطبیعي الذي یعمل على عدد كبیر جداً من الأفراد؛ وھكذا (خلال عشرات الملایین من السنین) یجعل من الممكن أن یحصل نوع معین على صفات جدیدة مفیدة... وفي بعض الحالات یجعل من الممكن ظھور أنواع جدیدة.

النیاندرتال كان نوعاً بشرياً منفصلاً عن الإنسان الحدیث... وقد اختفى تماماً قبل ما یقارب 30 ألف عام


بمقارنة جناح طیر بذراع الإنسان، من الممكن العثور على عدد من الأمور المتشابھة مع
أن الأسلاف المشتركین بین الطیور والبشر الزواحف بعیدون جداً من الناحیة الزمنیة.



الإرث الجینی
لو افترضنا أن الانتقاء الطبیعي ھو العامل الوحید في ھذه العملیة، فسیعني ھذا أن جمیع الكائنات ستتطور من دون توقف حتى یتم الوصول إلى حالة تجانس بین جمیع الكائنات الحیة؛ فالمواصفات الأفضل ستتحول، مع مرور الزمن، إلى المواصفات التي یمتلكھا الجمیع.. وبھذا ستتوقف عملیة التطور (إلا فیما یتعلق بالتأقلم مع التغیرات المناخیة).. كیف یمكننا إذاً تفسیر ھذا التنوع الكبیر في الكائنات الحیة؟ داروین، وبشكل خاص الداروینیون الجدد الیوم، یرون أن جزءاً كبیراً من ھذه العملیة یعتمد على الطفرات الجینیة.. في كل مرة یتم فیھا إنتاج الحیاة، تكون ھناك عملیة نسخ للإرث الجیني بكامله في حالة انقسام الخلیة أو عملیة مزج للإرث الجیني بین فردین كما في حالة التزاوج الجنسي.. وفي حالة المزج بین إرثین جینیین قد تقع بعض الأخطاء خلال العلمیة.. وأخطاء النسخ ھذه تسمى طفرات.
ھذه الطفرات تؤدي إلى ظھور اختلافات في جسد المولود كظھور إصبع إضافي في كل من یديه أو أن یكون أطول من والديه.. في معظم الحالات تتسبب ھذه الاختلافات في جعل حیاة القادم الجدید أكثر صعوبة ولھذا قد تؤدي غالباً إلى وفاته وبالتالي تمنعه من نقل إرثه الجیني إلى جیل جدید.. لكن في بعض الحالات، قد تكون تلك الاختلافات مفیدة.. وعند حدوث ھذا الأمر، فإنھا ستضیف شیئاً إیجابیاً إلى المولود ما یجعله قادراً على مواجھة تحدیات الحیاة بصورة أفضل؛ ما یعني أنه سیحیا لیتزاوج وینقل إرثه الجیني إلى أجیال قادمة.


تم العثور على أجزاء مختلفة من أنواع عاشت في الماضي لھا مواصفات بینیة: أي
بین الإنسان الحدیث وكائنات أقل تطوراً؛ ما یؤكد ما جاء به تشارلز داروین في نظریته






العزلة الجغرافية
لسنوات عديدة بعد داروین، كان الاعتقاد السائد ھو أن نوعاً جدیداً قد یظھر نتیجة تغیرات بطیئة وتدریجیة تطرأ على جینات حیوان ما.. إلا أن علماء حقل الوراثة الجینیة للشعوب Population Genetics مثل ثیودوسیوس دوبجانسكي  Theodosius Dobzhansky وإرنست مایرErnst Mayr  وھیو باترسون Hugh Patterson وجدوا أنه لخلق نوع حیواني جدید فإن فترة من العزلة ستكون مطلوبة.. العملیة تحدث عندما تبقى مجموعة من أفراد نوع ما معزولة بفعل حاجز جغرافي كأن تفصل میاه البحر جزءاً من المنطقة التي كان یعیش فیھا عن بقیتھا أو تحوُّل ذلك الجزء إلى جزیرة أو أن تتمدد رمال الصحراء لتغزو منطقة ما.. ومن الطبیعي أن تستمر المجموعة التي تم عزلھا في التبدل والتغیر؛ إلا أن تطورھا سیكون مختلفاً عن النوع الذي انفصلت عنه جغرافیاً لأن البیئة قد تكون مختلفة وبشكل رئیسي، لأن نقطة الانطلاق للإرث الجیني لتلك المجموعة ستكون مختلفة.. الأمر مشابه إلى حد ما لمجموعة من الكرات الملونة (الجینات) الموجودة في سلة كبیرة.. إذا قمت بنقل مجموعة من الكرات بصورة عشوائیة ووضعتھا في سلة أصغر؛ فنسبة الكرات ذات اللون الأحمر مثلاً ستختلف عما كانت عليه في السلة الأصلیة.. إذا كانت نسبة الكرات الحمراء ھي 27 % في السلة الكبیرة، فالنسبة ستختلف وقد تكون 24 %  أو 33 % في السلة الصغیرة.. ومن الجینات المختلفة، حتى بنسب بسیطة، تظھر اختلافات متفاوتة.. ھذه الظاھرة تسمى الانحراف الجیني أو Genetic drift.


التأثیر البیئی
كان العالم جان-بابتست لامارك یعتقد أن توارث الصفات المكتسبة أمر مؤكد.. ملخص ھذه الفكرة ھو أن ما یتم توریثه للأبناء لیس المواصفات التي تحددھا الجینات فقط؛ بل أیضاً تلك التي تحددھا البیئة أو الثقافة.
لفترة طویلة، رفض الداروینیون ھذه الفكرة؛ أما الآن فقد أكدت عدة أبحاث أنه من الممكن أن یتم توریث الصفات المكتسبة.. فما ثبت ھو أنه توجد ھناك تغیرات لا تحدث بصورة عشوائیة؛ بل أنھا ظھرت بسبب تأثیرات بیئیة معینة دفعتھا إلى الظھور.

في العام 1924 اكتشف عالم البالیوأنثروبولوجیا (أو علم الإنسان الآثاري) ریموند دارت Raymond Dart  جمجمة ما سمي
بـ  Taung Childالذي كان أول سلف من أسلاف الإنسان یتم العثور عليه في افریقیا، حیث عاش في فترة ما قبل ملیونین
ونصف الملیون عام.. وكان ھذا أول دلیل على أن قصة الإنسان بدأت من القارة السوداء.

بسبب الدقة التي وصفت بھا تطور الحیاة على كوكبنا عبر التاریخ، أصبحت نظریة داروین أحد الأسس التي یعتمد علیھا لیس فقط علماء الأحیاء والتاریخ الطبیعي؛ بل حقول مختلفة من العلوم والأبحاث.. ففي مجال الكمبیوتر، تم استخدام ما یسمى Evolutionary Algorithms  فیما یتعلق بالانتقاء الصناعي مثلاً.. كذلك ھناك اعتماد كبیر في مجال علم الفلك على الأفكار الدراوینیة فیما یتعلق بحیاة النجوم والمجرات.. أما علم الفیزیاء الفلكیة، فھو یعتمد على ذات الأفكار في التوصل إلى حقائق حول أصل الكون، وكیفیة تكون المجموعة الشمسیة والكواكب ومنھا الأرض.. ھناك أیضاً تلازم واضح بین التطور وكل من العلوم الكیمائیة والفیزیائیة وعلم الاجتماع.
أخیراً، نظریة داروین لیست جامدة كما یعتقد البعض؛ فقد "تطورت" ھي أیضاً على مدى السنوات الماضیة؛ إلا أنھا دائماً أثبتت أن الأسس التي تعتمد عليها صحیحة.




نظریة التطور لداروین وما تحمله من أفكار حول تطور جمیع الأحیاء خلال ملیارات السنین، بما في ذلك تطور الإنسان عن كائنات دنیا؛ كل ھذا أدى إلى تصادم لا مفر منه مع الأدیان (خصوصاً الیھودیة والمسیحیة والإسلام) التي تحمل كتبھا المقدسة روایات حول الخلق وبدء الحیاة... فوفقاً لھذه الدیانات، خلق الرب الإنسان والكون وكل شيء حي في ستة أیام (في الروایتین المسیحیة والیھودیة، الرب خلق الإنسان على صورته في الیوم السادس ثم خلد إلى الراحة في الیوم السابع).. وقد أدى ھذا التصادم إلى رفض المؤسسات المعنیة بتمثیل ھذه الأدیان لنظریة التطور وحثھا للحكومات والمؤسسات التعلیمیة على حظر تداولھا أو على تقدیمھا بصورة شدیدة السلبیة لتنفیر المتلقین منھا.. لكن مع استمرار ظھور الأدلة المثبتة لنظریة داروین خلال العقود الماضیة، كانت ھناك حاجة إلى تغییر أسلوب التعامل معھا؛ لھذا ظھرت مدارس دینیة تؤكد أن تطور الكائنات الحیة (ومنھا الإنسان) لا یتعارض مع الكتب المقدسة؛ حیث یمكن اعتبار ما جاء فیھا مجازي المعنى... بھذا التصور، من الممكن أن تكون عملیة الخلق قد استغرقت ملایین السنین بالفعل... وقد دفع ھذا بابا الفاتیكان الأسبق یوحنا بولس الثاني إلى الاعتراف بصحة النظریة مؤكداً ھو الآخر عدم تعارضھا بالكامل مع الروایات الدینیة.. ومع ھذا، تبقى أكثریة المؤمنین بالأدیان الثلاثة رافضة بصورة أو بأخرى للنظریة بغض النظر عن الأدلة والبراھین.

Monday, February 16, 2015

تأثير الإنترنت وعصر المعلومات على الدماغ البشري


لقرون من الزمن، اعتمد البشر على بعضهم البعض في الحـصول على المعلومات ونقلها من جـيل إلى آخر، وكان للذاكرة شأن كبير في هذا الأمر.. ذلك بالطبع كان قبل بدء عصر الكتب التي سـمحت بتوثيق الأحداث والوقائع.. أما اليوم، فكل شيء بات محفوظاً في سـحابة الإنترنت (The Cloud)، وأصـبح الوصـول إليه سـهلاً ومتاحـاً للجـميع.. ومع هذه الحقيقة، تضاءلت أهمية الذاكرة.



لا يمر يوم من دون أن تصلنا معلومات عن فوائد الإنترنت وما جلبته هذه الشـبكة العالمية إلينا في كل المجالات، ولا يمر يوم أيضاً يغيب فيه الحديث عن مخاطر الاسـتخدام المستمر لأجهزة الكمبيوتر المحمولة واللوحية وللهواتف الذكية، وما يجلبه ذلك من آثار سلبية علينا، من الناحية النفسـية ومن جانب ما يتركه على أدمغتنا.. لكن أين الحقيقة في كل ذلك؟

خلال الألفيات الماضية، كان البشر ينقلون فيما بينهم المعارف والمعلومات
التي يتم التوصل إليها شفوياً، وكان للذاكرة دور كبير في حفظ تلك المعلومات.


في عـام 2008 نشـر الكاتب المتخصص في مجال الكمبيوتر والمعلوماتية نيكولاس كار مقالاً في مجلة The Atlantic بعنوان "هل يجعلنا غوغل أغبياء؟" الكاتب ذكر في مقاله أن شبكة الإنترنت تقوم بتغيير أسس عمل الدماغ، فهي تجـعلنا نحـصل على كم أكبر من المعلومات لكن بشـكل سـطحي لا تعمّق فيه؛ وهي تحد من قدرتنا على التركيز في قراءة النصـوص الطويلة وتقلص من قدرتنا على الإدراك والوعي بما يحيط بنا.. كار تابع بعد ذلك كتاباته في نفس الإطـار وبتأكـيد النقاط ذاتها في مقالات مختلفة، وفي كتب منها "الضحالة" عام 2010 و"القفص الزجاجي" في العام الماضي.. كثيرون انبروا للرد على كار، خاصةً وأنه يعمم آراءه ويبنيها على دراسـات منفصـلة غطت فئات عمرية معينة وكانت محددة بظـروف فردية.. الباحث في مجال البرمجيات والكاتب المعروف ستوي بويد اعترض على طروحات نيكولاس كار بالقول إنه « يصل من فكـرة ما إلى نتائج من دون أي أدلة توضحها أو تؤكدها »؛ فمن الممكن (والمنطـقي) رؤية أن الأجـهزة الكـمبيوترية وشبكـة الإنترنت تساهم في تغـيير طريقة عمل أدمغـتنا، فهـذا أمر طبيعي شـهده الدماغ البشـري في السـابق؛ مع ظـهور الكـتاب، ثم مع ظـهور الهـاتف والتلفزيون.. لكن هذا، يؤكد بويد، لا يعـني أن الإنترنت تجـعلنا أغـبياء، بل على العـكس تمـاماً، هي تجـعلنا أكثر قدرة على التعـامل مع عـالم متعـدد الأوجـه ومختلف الألوان والاهتمامات يمكـننا من الاتصال والتحدث والتواصل مع بعـضـنا البعض بطرق جـديدة مغـايرة تماماً لما كان في السـابق، ولمـا عـهده أشـخاص مثل نيكولاس كار في الماضي ولا يتمكنون من فهمه اليوم، وفق ما ذكـره بويد.

الإنترنت، بكل ما توفره من خدمات، تعد من أعظم ما حققه الإنسان في تاريخه،
إذ أصبح ممكناً الحصول على المعلومات، والتواصل مع الآخرين، والتعلم، وحفظ البيانات
الخاصة، والعمل بسهولة تامة، وذلك عبر "نوافذ" إلكترونية باتت موجودة في كل مكان.


من المعـروف أن الإنسـان يعـمل على تنظـيم المهمات التي يجـب عليه القيام بها، وذلك بتحـديد الأوقات الملائمة لتنفيذ كل مهـمة، والحـصول على المعلومات اللازمة لهذا الأمر، واخـتيار المكان المناسب لعـملية التنفـيذ.. ما قدمتـه لـنا التكنولوجيا هـو إمكانية تحـقيق كل خـطوات التنظـيم المذكـورة بالاعـتماد على أدوات الإنترنت والبرمجـيات المتوفرة في كل هاتف ذكي أو كمبيوتر لوحي: حـفظ موعد مناسبة معينة وتحـديد منبه لتذكيرنا بذلك الموعد عند حلوله.. حفظ أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني وغيرها حتى يمكننا الاتصال والتواصل مع شخص ما، من دون الاعتماد على ذاكرتنا الدماغية.. الرجوع لصـفحات متخصصة على شـبكة الإنترنت للحصـول على معلومات تتعلق بشـركة معـينة مثلاً والاطـلاع على مدى جـديتها قبل الدخول في مشـاريع مشـتركة معها.. جـمع معلومات عن ملف معين مطـلوب لبحث مدرسي أو جـامعي من دون إضاعة وقت طويل في العودة إلى عدد كبير من الكتب.. كل هذه الأمور قمنا بنقل المسـؤولية عنـها من ذاكـرتنا وجـهدنا الشـخصي الخـاص إلى أجـهزتـنا الإلكـترونـية وإلى تلك الأدوات المتوفرة في الويب.. وقد تجاوزنا هذه المرحلة لنصل إلى الاعـتماد على سـحابة الإنترنت التي تسمى The Cloud لحـفظ صـورنا وصـور عن وثائقنا الخـاصة وتلك المرتبطة بالعمل، حـتى من دون الاطلاع عليها أو دراسـتها بشـكل معـمق؛ فالكثيرون يعتقدون أنهم سيعودون لرؤية تلك الصور فيما بعد أو لقراءة الوثائق والمقالات في أوقات أخرى، ربما لا تأتي أبداً.
 بعض الباحثين، مثل الراحل دانييل ويغنر الذي كان أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد وتلميذه آدريان وارد، يصفون الإنترنت بأنه تحـول بصورة أو بأخرى إلى صديق عالم بكل شيء، ليس فقط بما يخصك أنت شخصياً، بل أيضاً كل شيء عن العلوم والتاريخ والطب والأديان والهندسة والجغرافيا و... إلخ.

باستخدام هاتف ذكي أو كمبيوتر لوحي، يمكنك الحصول على أي معلومة
والتواصل مع أي شخص في أي مكان على وجه الأرض.

بالرغم من كل ما سبق، هناك من يرى أن الإنترنت والوسـائط التكنولوجية بشكل عام أعـادت تشـكيل طريقة عمل أدمغـتنا وتسـببت بظـهور عـوامل جـديدة لم نعهدها سابقاً.. صحـيفة نيويورك تايمز وصفت أحـد تلك العوامل بالقلق المرضي الممزوج بالخـوف، وذلك نتيجة للترقب المسـتمر لما ستجلبه لنا وسـائل التواصل الاجتماعي وما قد يتبع ذلك من حـاجة إلى التأهـب الدائـم للرد والعودة للحالة السابقة انتظـاراً لرد جديد.. وهذا القلق من غـير الممكن التحـكم فيه حتى في الإجازات والعـطل، إذ إن هاتفك الذكي وكمبيوترك دائماً إلى جوارك وأنت دائماً في حـالة ترقب وانتظار.

الخدمات التي تتوفر عبر الإنترنت، مثل الخرائط وبرمجيات تحديد المواقع،
ألغت بشكل كبير إمكانية اللجوء إلى أشخاص آخرين طلباً للمساعدة أو لمعرفة
طريقة الوصول إلى مكان ما، بما يصحب ذلك من تقلص في خبراتالاحتكاك
الاجتماعي والتواصل مع الآخرين في المجتمع.

قضـية أخرى عادت إلى الواجـهة مؤخراً تخص العلاقة بين الأجـهزة الإلكترونية ومشـكلات النوم؛ فالتحـول من قراءة الكتب الورقية (أو تلك الخاصة بأجهزة الحبر الإلكتروني) إلى الكمبيوترات اللوحية ذات الشـاشات المضـيئة (مثل الآيباد) يؤدي إلى التسبب بالأرق أو بعدم الوصـول إلى حالة النوم العميق التي تعرف بـ SWS.. هذه كانت نتائج بحث قام به فريق من الباحـثين من كلية الطـب في جامعة هـارفارد ونشـرت نهاية العام الماضي في مقال بمجلة "بروسيدنغز" الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة.. الدراسة وجدت أن القراءة أو استخدام الكمبيوتر اللوحي أو الهاتف الذكي لمشـاهدة فيديو أو تفقد بريدك الإلكتروني قبل الخلود إلى النوم، يتسبب في اضطرابات مرتبطة بالنوم والشعور بالإرهاق وقت الاستيقاظ في اليوم التالي، لأن الضوء الأزرق، وهو ما يعد طول الموجة الأكثر انتشاراً في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر اللوحية، قد يؤدي إلى إضطراب السـاعـة البيـولوجـية لكـلٍ مـنا.

إمكانية التواصل والقراءة في أي مكان حولت أوقات استخدام وسائل النقل العامة
إلى فترات يمكن أن تكون منتجة، بدلاً مما عهدناه في السابق؛ عندما كانت مجرد
أوقات تضيع في انتظار الوصول من نقطة ما إلى أخرى.

بالطبع، من البديهي الحديث أيضاً عن الضعف في قوة الذاكرة لدينا بسبب الاعتماد الكبير على تخزين الأرقام والمعلومات والتواريخ في أجهزتنا وحفظها في صفحاتنا الخاصة على الإنترنت، هذا من دون ذكر أن مواقع التواصل الاجتماعي خلقت حالة من عدم التركيز المطول، وذلك بسبب كثرة المعلومات الواردة وعدم القدرة على استيعاب كل ما تحمله بشكل كامل في الوقت القصير المتوفر.. لكن ليس كل شيء سـيئاً، إذ إن الاستخدام الدائم للإنترنـت وللشاشات المضيئة يتسبب بتقوية القدرات البصرية لدينا ويجعل قدرتنا على اتخاذ القرارات السريعة أكثر دقة اعتماداً على العوامل التي نشاهدها حولنا.. بعد كل هذا، من الضروري القول إن التكنولوجيا سمحت لنا بتطوير مهاراتنا الفنية ومكنت المـوهوبين من تطوير ملكاتهم ومن الاستفادة من خبرات فنانين آخرين بحيث يكون عمل الجميع جميلاً ومبدعاً ومتفرداً.

Sunday, October 19, 2014

الروح.. ما هي؟

لطالما تساءل الإنسان عما يتبع الموت.. وعن إمكانية الخلود بعده.. هل الروح موجودة بالفعل؟ وإن كان لها وجود، ما هي وكيف يمكننا تعريفها؟ هناك من يؤكد وجودها لأسباب دينية أو ثقافـية أو حتى تاريخية، وهناك من ينفي ذلك بالقطع.. أسئلة دينية، فلسفية، علمية لا يزال الجدل بشأنهـا قائماً حتى اليوم.. لكن حتى من يرفض فكرة الروح وفق المفهوم الذي تشير إليه أديان كثيرة، لا يستبعد أن المقصود بها شيء آخر.. مختلف عما يعنيه الناس وما اعتادوا الحديث عنه.

في القاموس المحيط، كلمة الرُّوحُ تعني "ما به حَياةُ الأَنْفُس".. وفي قاموس ميريام وبستر، تعرف كلمة روح Soul على أنها "القسـم اللامادي من الإنسان والذي يجعل الجسد يتمتع بالحياة، وفي بعض الأديان يُعتقد أنها تعيش إلى الأبد".. وهناك من يعتبرها جزءاً منفصلاً عن الجسم، يفارقه عند الموت المادي.. لكن ما هو أصل هذا المصطلح؟ ومن أين جاء هذا المفهوم؟ الأصل جاء من ثلاثة جذور؛ الشامانية، الإيمان بعالم الأحلام، وأخيراً الإيمان بالحياة بعد الموت.. في رسوم الكهوف التي تعود لنحو 20 ألف عام، قام الشامانات (أو السحرة والكهنة الدينيون) بتمثيل رحلاتهم في عالم الأرواح.. عندما كانوا في حالة الغشية (أو Trance) كانوا يعتقدون أنهم يغادرون أجسادهم على هيئة روح، وكانوا يرسمون هذه الروح على صورة طير.. ومن هذه المعتقدات، نشأ المذهب الفكري – الديني المسمى الإحيائية؛ والتي هي الإيمان بأن أي كائن (سواء حي أو غير حي) يمتلك روحاً؛ وهذا يشمل الصخور والنباتات أيضاً.. أما فيما يتعـلق بعالم الأحلام، فإن العلماء يؤكدون أن الإنسان، ومنذ بدء التاريخ، كان يعتقد بأن ما يحدث في الحلم هو أن الروح تفارق الجسد وتتوجه إلى بُعد وجودي آخر، وأنها تحيا بذلك خبرات ومغامرات من نوع خاص وذات مغزى عميق.. وبالطبع هناك الإيمان بالحياة بعد الموت، والذي ظهرت أولى بوادره في أساليب الدفن التي اتبعها البشر الأوائل قبل التاريخ؛ حيث كان يوضع مع جسد الميت أدوات كان يعتقد بأنها مفيدة له في الحياة المقبلة.. هذه المعتقدات كانت سائدة أيضاً بين المزارعين في العصر الحجري الحديث (قبل 10 آلاف عام) إذ كانوا يشهدون دورة الحياة (نبات – بذور – نبات)، فظنوا أن الأمر نفسه ينطبق على الإنسان؛ ما دفعهم إلى دفن موتاهم في وضعية الجنين (الظهر منحني والرأس مقوسة والأطراف ملتفة ومشدودة نحو جذع الجسد)؛ وذلك انتظاراً لحياة قادمة تنتظر الميت.

الإيمان بالخلود بلغ ذروته لدى المصريين القدماء الذين اعتقدوا بدايةً أنه يقتصر على ملوك الفراعنة وعلية القوم، قبل أن يصبح اعتقاداً يخص كل أفراد الشعب.. الحياة ما بعد القبر كانت أمراً يقـينياً لا يحتمل الشك، حتى أن الفراعنة قاموا بالكتابة عنه بشكل دقـيق مفصّل في "كتاب الموتى" الشهير.. كان بإمكان المتوفين الانتقال إلى الآخرة فقط بعد أن يقوموا بإعلان عدم خرقهم أي من الأسس الأخلاقية؛ بأن يقولوا إنهم لم يسرقوا ولم يقتلوا ولم يمنعوا رغيف خبز عـن فقير.

الصـقر الأبـدي
في مصر القديمة، كانت الروح تسمى "بـا" BA وكانت تمثل على شكل صقر برأس إنسان..
وكان البـا يغادر جـسد الإنسان لحظة الموت ويطير باتجاه السماء..
وكان يُعتقد أنه يعود من وقت لآخر ليزور جسده الميت.


يؤكد جون بوكر أستاذ تاريخ الأديان في عدد من الجامعات منها كامبريدج البريطانية وبنسلفانيا الأمريكية في كتابه "معاني الموت" أن اليهود في بداية تاريخهم لم يؤمنوا بأبدية الروح وخلودها، إذ كان ربهم ياهوه يعدهم بتحسين حياتهم الحالية بدلاً من الحديث عن تعويضٍ ما في حياة قادمة.. وبقي الأمر على هذا الحال حتى فترة الأسر البابلي، إذ ظهرت فكرة الخلود والحياة الثانية كمبدأ يسمح بتعويض الصالحين عما عانوه في هذه الحياة.
أما في المعتقدات الشرقية، فالروح لها وضع مختلف بعض الشيء؛ فالهندوس يؤمنون بأنها جزء من البراهما الذي هو الأصل المطلق العالمي، وأنها تبقى أسيرة السامسارا (الذي يعني بالسنسكريتية "التدفق المستمر") والذي يتمثل بدورة الحياة والموت والعودة للحياة مرة أخرى؛ أي مبدأ استنساخ الأرواح... في حين أن البوذية رأت في هذه الدورة المستمرة مصدراً للأمنيات المتواصلة التي لا تتحقق وللمعاناة التي لا تنتهي، لهـذا تم ابتداع مفهوم النرفانا، التي تسمح بخروج الروح من تلك الدورة، ويعني الوصول إليها تحقيق حالة الإلغاء الكامل؛ ففيها لا توجد معاناة ولا مشاعر إيجابية أو سلبية.
في المفهوم المسيحي، كان هناك نقاش بشأن الجسد والروح استمر لفترة طويلة، إذ كان المصطلح الأساسي في هذا الشأن هو بعث الموتى (مثل ما حدث فيما يتعلق بقيامة المسـيح بعد موته)؛ إذ كان المتعارف عليه هو أن قيامة الميت تأتي بصورة مادية، أي أن جسده يرجع إلى حالته التي سبقت الموت ويعود إلى الحياة كما كان.. وكان توما الأكويني مثـلاً قد حدد المبدأ المسيحي بتأكيد وحدة الروح والجسد وأن أحدهما لا يمكن أن يكون من دون الآخر.. ليدخل بعد ذلك مفهوم الروح بالصورة المعروفة اليوم إلى الديانة المسيحية من المدرسة الإغريقية، حيث أصبحت الروح أمراً خالداً كان موجوداً قبل الولادة وسيستمر في الوجود بعد الموت؛ بالعودة للاتحاد مع جسد الميت عندما تحين ساعة قيامته.. وهذه رؤية أخذتها المدرسة الإسلامية واعتمدتها؛ إذ قال ابن تيمية إن "الروح عين قائمة بنفسها، تفارق البدن، وتنعم، وتعذب، ليست هي البدن، ولا جزء من أجزائه".
لكن كل هذه المعلومات جاءت من مصدر واحد: ديني غيبي لا مجال لنفيه أو إثباته.

 في الأعلى، رسـم "الجنة، صـعود المباركين" الذي يعود للعـام 1500 تقريباً،
وهو جزء من رسومات "رؤى من الآخرة" للفنان الهولندي هيرونيموس بوش..
في اللوحة تظهر الأرواح وهي تصـعد باتجـاه مملكة الرب، حيث النور والجمال الخـالد..
في الأسفل، رسم (ظهر في إحدى المطبوعات التي تعود للقرن السابع عشر) يظهر الموت
وهـو ينهي حـياة شـخص ما في حين تخرج منه روحه لتلتحق بالملائكة.

وبالرغم من كل ما تقدم، من غير الممكن تحديد ماهية الروح لأن الأمر يختلف باختلاف من يقوم بتعريف الروح؛ رجال دين، فلاسفة، علماء نفس، مثقفون.. هناك من يؤكد أن الروح هي كل ما يشكل شخصية الفرد وطباعه وخصاله وأنها هي التي تجتمع فيها ذكرياته ومشاعره وأحلامه وخبراته، في حين هناك من يقول إن كل هذه الأمور مركز وجودها هو الدماغ وأن كلمة الروح هي الكلمة التي اختارهـا القدماء للتعبير عن كل القدرات الخارقة التي لم يتمكنوا من تحديد مصدرها، كالإبداع والابتكار والتفكير والوعي بالذات وبالمحيط البيئي وبالروابط الخاصة التي تتمثل بالعلاقات الأسرية والشخصية.. وفي الوقت الذي يؤكد فيه أصحاب الفكر الديني أن الروح خالدة تتجاوز الموت البدني، يصر أصحاب الفكر العلمي على تأكيد أن ما يعرف بالروح (وهو الدماغ في هذه الحالة) يموت بموت الجسد وينتهي بانتهاء حياة الفرد.. علماء النفس بدورهم يرون أن الروح هي مجموع الوعي واللاوعي للإنسان وأنها تتحكم بمشاعره وأحاسيسه وإدراكه، وبذلك فهي تسمح لنا بمعرفة الفرق بين البرد والدفء، وبين المتعة والألم.. الخلافات الرئيسية تبدأ بالظهور بين المدارس المختلفة عند طرح أسئلة مهمة من قبيل: "متى تولد الروح؟" و"متى وكيف يمكننا التواصل معها؟"

الحـياة الآخرة.. وفق تصـورات مختلفة
إلى اليمين، صـعود الأرواح المباركة السعـيدة إلى الجـنة بالمفهوم المسـيحي وفق ما تصورها
الفنان الفرنسي غوستاف دوري اعتماداً على ما جـاء في كـتاب الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري.
إلى اليسـار، يظـهر الرسـم الذي يعود إلى أصـول إيرانية السـموات السـبع والجنان السـبع
وفق المفهوم الإسـلامي.. هذا الرسم موجـود في المكتبة الوطنية في العاصـمة الفرنسية باريس.

وماذا عـن حوادث الخروج من الجسد التي يبلغ عنها أشخاص كانوا خاضعين لعمليات جراحية؟ وماذا عن تجارب الاقتراب من الموت التي يتحدث عنها بعض من كان في غيبوبة؟ الحقيقة التي يؤكدها علماء الأعصاب والمتخصصين بمجال عمل الدماغ أن حالات كثيرة مصدرها غياب قدرة الدماغ على تجميع معلومات عـن الظروف والمؤثرات المحيطة، وفي بعض المرات يكون عدم وصول كميات كافية من الأكسجين إلى الدماغ هو السبب في الضعف التدريجي في أداء الجهاز العصبي لوظائفه تدريجياً، ما يجعل الدماغ يترجم الوضع بهذه الصورة، في حين أن دراسات كثيرة أظهرت أن مادة الكيتامين التي تستخدم في التخدير السابق للعمليات الجراحية مسؤولة عن الكثير من أوهام الخروج من الجسد وتجارب الاقتراب من الموت التي يكثر الحديث عنها.


ضوء في نهاية النفق
نفق طويل في آخره مصدر ضوء قـوي.. وعلى الكتف، هناك يد توقف الشخص عن مواصلة
المسير باتجاه الضوء.. هذا عادةَ ما يرويه أشخاص فـي العالم الغربي عـندمـا يفيقـون من غـيبوبة.

الخـروج من الجسـد
خلال عملية جراحية مثلاً، يؤكد مرضى أنهم مروا بتجربة مغادرة أجسادهم ورؤية
كل ما يجري في غرفة العمليات من الأعلى، وتقديم بعض التفاصيل عما كان يجري في الغرفة.


ورود وأشـجار

بالنسـبة لمواطـني شـرق آسـيا الذين كانوا في غـيبوبة، فإن روايتهم تتعلق بعـبورنه
بين أشجار وورود جميلة، كما في هذا الرسم الياباني.. الثقافة تؤثر كثيراً على تصور الآخرة.

From Fiction to Reality: How Science & Technology Transformed Our Lives

From ancient times to today, science and technology have guided humanity, pulling us out of darkness into light, and from ignorance into kno...