Monday, March 11, 2013

مجلات... كانت تسير ضد التيار


فكرت طويلاً في الكتابة عن هذا الموضوع، فشعار مجلة "آفاق العلم" التي أنشأتها، "القراءة هي الخطوة الأولى نحو التغيير"، لم يأت من فراغ، فأنا على ثقة تامة بأن أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا هو الانفتاح على العالم، على الآخرين وثقافاتهم ورؤاهم ومعتقداتهم... علينا جميعاً أن نرى المجتمعات الأخرى كمصادر للمعارف والتطور وللحياة المتنوعة الجميلة، لا بوصفها بؤراً لأعدائنا والراغبين في إفسادنا أو تدميرنا؛ كما يحثنا رجال ادعاء الدين كل صباح ومساء، ومن على منابر صلاة الجمعة كل أسبوع.
أحد الأسباب الأساسية في المشكلات التي تواجهها المجتمعات في معظم دولنا هو التقوقع حول الكتب والمجلات والبرامج الدينية التي تتركز أهدافها على جذبنا باتجاه الماضي وظلامه بدلاً من الإسراع باتجاه المستقبل وإشراقه ونوره.
بالعودة إلى موضوعنا، فما أود الحديث عنه هنا هو مجلات كان هدفها الرئيسي إثراء معارفنا وتثقيفنا وتقديم كل جديد لنا... من ضمن تلك المجلات:



1) مجلة آفاق علمية: كانت تصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية (روافد) في عمان - الأردن... ثمن النسخة كان نصف دينار أردني فقط، وكان كل شهر احتفالاً رائعاً بالمعرفة أنتظره بفارغ الصبر.




2) مجلة الصفر: كانت تصدر عن المركز العربي للدراسات الدولية بالعاصمة الفرنسية باريس، وكان معظم القائمين عليها من اللبنانيين... إضافة إلى أن هذه المجلة كانت رائعة علمية شهرية لم يماثلها شيء في ذلك الوقت، فقد كانت تحفة فنية؛ في تصميمها وصورها ولغتها وكل ما قامت بتقديمه للقراء.





3) مجلة المختار: وهي الترجمة العربية لمجلة ريدرز دايجست الأمريكية وكانت تصدر عن مركز "إيبراك" للمنشورات الدولية ببيروت... كانت هذه المجلة تضم مقالات عدة؛ علمية، طبية، ثقافية، تقنية... وكانت قراءتها بالفعل متعة كبيرة.




هذه المجلات وغيرها، ازدهرت وانتشرت قراءتها في ثمانينيات القرن الماضي... ثم انتهت واختفت... وغاب عن مجتمعاتنا كل ما كانت تمثله تلك المطبوعات الشهرية من معارف وعلوم.
أذكر مدى السعادة التي كنت أشعر بها عند شرائي كل عدد وعند قراءتي لكل صفحة في تلك السنوات، وأدرك غياب هذا الأمر عن الغالبية العظمى اليوم... وبالرغم من أن هناك مجلات كثيرة تصدر الآن، فهي في غالبيتها مفرغة من الدعوة إلى البحث الفردي والتفكر والتشكيك (أو الشكوكية Scepticism)... والاعتماد على الذات في معرفة الحقيقة أصبح غائباً بصورة شبه تامة.

هذه مجلات كانت ترمي لإيصال المعلومة المجردة إلى القارئ، من دون ربطها بهذا الدين أو ذاك، ومن دون العمل على إثبات صحة تعاليم هذه الثقافة المجتمعية أو تلك... كان القائمون عليها يهدفون إلى فتح أعين الجميع على حقيقة رائعة مفادها أننا جزء من عالم واحد وأن الفروق التي يركز عليها كثيرون هي مجرد اختلافات مختلقة كل مبتغاها الحفاظ على امتيازات قلة تريد أن تتحكم بحياة الجميع وأن تبقى على رؤوسنا، تحدثنا بصفة الناطق الرسمي باسم السماء وخالقها.

Thursday, January 31, 2013

إيران... وعصر الفضاء

  تتناقل وكالات الأنباء هذه الأيام معلومات مفادها أن إيران تمكنت من إطلاق قرد إلى الفضاء وإعادته سالماً... الأخبار مصدرها إيراني بالطبع والصور التي تم إرفاقها بالخبر تظهر قرداً، في حالة واضحة من الرعب، مقيداً إلى ما يشبه المقعد.


أول ما يلفت الانتباه في هذا الخبر أن الصور التي تم نشرها للصاروخ الذي زعم أنه حمل القرد إلى ارتفاع 120 كيلومترا فوق الأرض، تلك الصور لا تظهر صاروخاً من الممكن أن نعده جزءاً من برنامج فضائي؛ إذ أنه أشبه بصاروخ باليستي منه بصاروخ خاص بالاستخدام لأغراض غزو الفضاء... ولم تكن هناك صور التقطتها كاميرات آلية من داخل الكبسولة التي أقلت القرد تثبت أنه ذهب إلى حيث قيل إنه وصل.

ثم هناك بعض النقاط التي يجب ذكرها لإدراك أهمية هذا "الإنجاز العلمي الكبير" الذي تروج له أوساط سياسية وإعلامية إيرانية وأخرى، للأسف، عربية (هذا بالطبع، إن كان ما تم الإعلان عنه حقيقياً):

  • أول حيوان تم إطلاقه إلى الفضاء في التاريخ (1949) كان قرداً من نوع المكاك الريسوسي؛ إذ تم إطلاقه على متن صاروخ V2، الذي وصل إلى ارتفاع 134 كيلومتراً عن سطح الأرض... القرد مات خلال رحلة العودة.
  • أول حيوان يتم إرساله وإعادته بسلام إلى الأرص كان الكلبة لايكا على متن الكبسولة السوفياتية "فوستوك 2" (1957)... وصلت إلى مدار يرتفع عن سطح الأرض 212 كيلومتراً.
  • عمليات الإطلاق الناجحة لحيوانات نحو الفضاء استمرت طوال عقد الخمسينيات وشملت كلاباً وقردة وفئراناً وغيرها.
  • أول قمر صناعي تم إطلاقه في التاريخ (1957) كان السوفياتي سبوتنيك، تم وضعه في مدار حول الأرض بلغ ارتفاعه عن سطحها 215 كيلومتراً.
  • أول رائد فضاء في التاريخ؛ السوفياتي يوري غاغارين، وصل على متن كبسولة "سبوتنيك 1" (1961) إلى مدار يرتفع عن سطح كوكبنا 169 كيلومتراً.
  • الأقمار الصناعية التي توجد اليوم في مدار جغرافي ثابت (Geostationary Satellites) موجودة في مدار يرتفع عن سطح الأرض أكثر من 35 ألف كيلومتر، في حين توجد أقمار المدار الأرضي المنخفض (Low Earth Orbit) على ارتفاع 400 كيلومتر.
  • محطة الفضاء الدولية موجودة في مدار يرتفع عن سطح الأرض مسافة 424 كيلومتراً في المتوسط.
  • اليوم تتحرك مركبات فضائية أمريكية وأوروبية وروسية ويابانية وصينية في مدارات حول الأرض وحول كواكب وأقمار عدة ضمن مجموعتنا الشمسية... هذا، من دون أن نذكر أن مسبار "فوياجر1" الذي أطلق عام 1977 خرج العام الماضي من نطاق المجموعة الشمسية.


وبالعودة إلى إيران، علينا معرفة أن معلوماتها ليست دائماً صادقة، إذ تؤكد مصادر عدة أن مسعى إيران بشأن إرسال قرد إلى الفضاء، نهاية سبتمبر من عام 2011، واجه مشكلات فنية أدت في النهاية إلى فشل المهمة وموت القرد... والمهم هنا هو أن السلطات الإيرانية حاولت إخفاء ما حدث، قبل أن تنقل صحيفة "حريت" التركية الخبر.

أما فيما يتعلق بالنجاح المزعوم، فإننا نجد المعلومات التالية وقد نشرت في جريدة "الشرق الأوسط": " شكك علماء فضاء إسرائيليون في إعلان إيران أنها نجحت في إرسال قرد إلى الفضاء تمهيداً لإرسال إنسان... وقال رئيس وكالة الفضاء الإسرائيلية البروفسور يتسحاق بن يسرائيل، إن هذه «لعبة إعلامية أكثر من كونها أي شيء آخر». وقال بن يسرائيل إن إيران معروفة بقدرات تكنولوجية عالية نسبيا لدول العالم الثالث، ولكن الخطوة الإيرانية الأخيرة التي قالت إنها «خطوة كبرى في السعي لإرسال إنسان إلى الفضاء، هي ادعاء غير صحيح... فهذه خطوة عادية تتلاءم وإطلاق صاروخ إلى الجو بارتفاع 120 كيلومتراً، ولكنه ليس غزو فضاء، ولا حتى وصول إلى الفضاء بالمفاهيم العلمية والمهنية. فالمسألة لا تتعدى اللعب الإعلامي»".

رواية الجمهورية الإسلامية لا تتجاوز كونها محاولة للفت الانتباه عما تمر به على المستوى الدولي وعما يعيشه مواطنوها من مشكلات اقتصادية وسياسية... ولو افترضنا أن ما أعلنت عنه كان صحيحاً، فهو بالتأكيد "إنجاز"؛ لكن بمقاييس خمسينيات القرن الماضي، عندما كان الراديو الترانزستور أحد أكبر الإنجازات التكنولوجية في العالم.


Wednesday, December 19, 2012

حول نهاية العالم


كثر الحديث في الأيام القليلة الماضية، ولسنوات قبل ذلك، عن قرب نهاية العالم... إذ أن متابعي شائعات النهاية ومنتظريها يؤمنون بأن كل ما نعرفه سيصل إلى خاتمته في الحادي والعشرين من الشهر الجاري... من أين استدلوا على ذلك؟ مما يعتقدون أنها نبوءة تركها لنا شعب المايا الذي انتهت حضارته في القرن الثالث الميلادي.
الأنباء تحدثت خلال الفترة الأخـيرة عن أفراد ومجموعات في دول عدة حول العالم بدأت في التحضير لهذا الحدث؛ الذي يبدو من الطريقة التي يتحدث فيها البعض عنه وكأنه منتظر، بل وبفارغ الصبر... أعداد كبيرة من الناس ربطت ما تؤمن بأنه نبوءة المايا بمعتقداتها الدينية... آخر تلك المجموعات أو الطوائف الدينية المسيحية ما يعرف بطائفة الرب العظيم؛ والتي قامت السلطات الصينية بإلقاء القبض على خمسمئة من أتباعها ولذلك لعملهم على ترويج ما وصف بالشائعات حول نهاية العالم القادمة وبمصادرة الآلاف من المطبوعات والأقراص المدمجة والكتب التي تروج للنهاية السوداء للعالم والبشرية والحياة كما نعرفها... ألم يكن للجهد الذي بذل لكتابة وطباعة ونسخ تلك الترهات فائدة لو كان استُخدم في غايات أخرى؟
الغريب في المسألة كلها هو: كيف تمكنت أديان وطوائف مختلفة من الربط بين معتقداتها، التي من المفترض أن يكون أصلها الله أو المسيح أو موسى، وبين معتقدات المايا ونبوءات شعب المايا الذي عاش في قارة لم تكتشف حتى نهاية القرن الخامس عشر بعد الميلاد؟ كيف تمكنت عقول أتباع تلك الطوائف من قبول هذا الربط الغريب بين بنى دينية لا رابط بينها، لا في الأسس اللاهوتية ولا في التاريخ ولا حتى في الجغرافيا؟ كيف أمكن لهم أن يثقوا بهذه الصورة العمياء بتصور محوّر ومحرف لما تركته حضارة كان دينها يحض على تقديم القرابين أو الأضاحي البشرية، وبكثرة؟ وكيف يمكن لأي شخص أن يؤمن بما تركته حضارة لم يعرف شعبها تقدماً يذكر في العديد من المجالات التكنولوجية المعروفة، وبخاصة ما يتعلق بالمعادن؟
ثم لماذا دائماً هناك من هو مستعد، وبسعادة غامرة، لقبول أي معلومة تحدد تاريخاً خاصاً بنهاية العالم؟ لماذا هذا التلهف إلى التخلص من أثمن ما يملكه أي كائن حي: الحياة؟ كيف يمكن لأي شخص أو مؤسسة أو جماعة معرفة ما لا يعرفه كافة علماء الأرض في مجالات الفلك والفيزياء والجيولوجيا والبيولوجيا؟
الحقيقة هي أن تقويم المايا مكون من حقب تاريخية أو دورات زمنية، تنتهي الحقبة الأخيرة منها في فترة تقترب من التاريخ المعروف... ووفقاً للمايا، انتهاء حقبة يعني بداية أخرى، ولا يعني إطلاقاً نهاية التاريخ والبشر والكون.
العالم لن ينتهي في الحادي والعشرين من ديسمبر ألفين واثني عشر، كما لم ينته في الثالث من مارس ألفين وثلاثة وكما لم ينته مع قدوم الألفية الثانية وكما لم ينته في أي تاريخ تصوره كاذب أو ملفق أو دجال قبل ذلك... لكن المشكلة ليست في عدم نهاية العالم، بل في قبول الآلاف (وربما الملايين) كل مرة بأن هناك من يعرف ما لا يمكن معرفته، وبأن هناك إنسـاناً ذا علم يفوق ما يمكن للمعارف البشرية أن تصله. 

Saturday, November 24, 2012

الربيع العربي... ثورات إلكترونية؟

الثورات في تونس ومصـر وليبيا وسورية والبحـرين واليمن... ماذا كان دور التكنولوجيا في تفجيرها؟ وكيف تمكن الثوار في تلك الدول مـن استخدام أدوات العصر للتواصل والتنظيم ونشر الأفكار بأسلوب لم يكن قابلاً للتحقيق قبل سنوات قـليلة فقط؟ والأهم من ذلك كله، هل كانت الثورات تكنولوجية أم أنها كانت لتقع حتى في حالة غياب ما توفره لنا شبكة الإنترنت اليوم؟

مشـهد جـديد أتى من شـوارع مدن عربية عدة، شـباب وشـابات يخرجون للتظـاهر مسـلحـين بكـاميرات هواتفهم المحـمولة، ليتم بعد ذلك نشـر الصور وتسجيلات الفـيديو عـلى شـبكة الإنـترنت فوراً، ومعها آخـر الأخـبار عـن الأوضاع في بلادهم... لكـن لمـاذا الآن؟ الخـبيرة في مجال دور الإنترنت في النشاط السياسي بمعهد أوكسـفورد للإنترنت مريم أوراغ تـقول إن ارتفاع مسـتويات التعـليم والإحباط بسبب غـياب فرص العـمل وتوفر إمكانيات الاتصال الإلكترونية، كلها شـكـلت مزيجـاً متفجراً؛ « في العالم العربي- الإسلامي، لدينا قسـم كـبير مـن المجـتمع تحـت عـمر الثلاثين، والكثير من هـؤلاء لديهم درجات جامعية إلا أنهم عاطلون عن العمل... الإنترنت تحول إلى جـزء مـن حياتهم اليومية  »... لكن في كل حالة، كانت هـناك شـرارة أخـرجـت العملاق من قمقمه؛ في تونس كان مقـتل البوعزيزي وفي مصر مقـتل خالد سعيد، هذه الشـرارة هـي مـا دفع الآلاف للخـروج إلى الشـوارع للتعـبير عـن رفضـهم للوضع القائم ومطالبتهم بالتغـيير... الحـوار حـول هـذه التحـركات والدعوات للمشاركة فيها تمـت عـن طـريق الإنـترنت؛ سـواء باسـتخدام Facebook أو Twitter أو المدونات أو غـيرها... في تونس، دفع موت البوعزيزي المواطنين إلى تنظيم مظاهرات عـمت كافة المدن، وانتهت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير.

خـلال المظاهرات التي عـمت المدن المصـرية، الحـكومة المصـرية أوقـفت خـدمات
الإنـترنت في جـميع أنحـاء البـلاد... وهذه الفـتاة تسـأل: مـن يخـاف مـن تويـتر؟

في مصـر، أدى نشر تسجيلات مصورة لخالد سعيد وآثار التعذيب والضرب بادية على جـثته عن طريق موقع Youtube إلى تنظيم مظاهرات حـاشدة شهدتها مدن رئيسية يوم 25 يناير... الرد الحكومي جاء عـنيفاً ومدمراً... إلا أن المصريين واصلوا مظاهراتهم... فجـاءت محـاولات السـلطات عـزل المتظاهـرين وتجـميد سبل اتصـالهم عـن طـريق وقـف عـمل مواقع التواصل الاجـتماعي الأجـنبية والعـربية؛ حـتى وصـل الأمر إلى قطع كافة خـدمات الإنترنت والهاتف المحمول في البلاد (بما في ذلك الرسائل النصية SMS التي كانت تحـولت إلى أسلوب سريع وفعال في نقل المعلومات)... المسألة لم تكن بسـيطة؛ إذ أن مصـر هـي نقطة وصل فيما يتعلق بخطوط الإنترنت بين جـنوب شرق آسـيا وغـرب أوروبا عـن طـريق كابل ألياف بصـرية اسمه SEA-ME-WE 3 يبلغ طوله 39 ألف كيلومتر يمـتد من الهند والصين في قاع المحيط الهندي باتجاه قناة السـويس وحـتى مقاطعة كورنوال البريطانية... ومع كل هـذا، قررت حكومة القاهـرة قطع جميع الاتصالات الإلكترونية بين مصر والعـالم الخـارجي... ورغم الظلمة الإلكترونية التي أرادها نظام مبارك، فالظلمة التامة كانت مستحيلة؛ إذ أن عصر الإنترنت ووسـائل الاتصالات يوفر الإجابات دائماً، مهما كانت معقدة... وسرعان ما قام مـزودون لخدمات الإنترنت في فرنسا والسـويد وغيرهما بتوفير أرقام هاتفية مجانية يمكن للمصريين الاتصال بها للربط بالإنترنت عن طريق خطوط الهاتف الأرضية باستخدام تكنولوجيا Dialup التي تعد قديمة بعض الشيء وبطيئة للغاية؛ إلا أنها كانت وسيلة مقبولة لتبادل النصوص المكتوبة... كذلك كان هناك القـمر الصناعي الثريا 2 الموجود على ارتـفاع 35 ألف كيلومتر وهـو ما مكـّن مالك أي هاتف يعمل بتكنولوجـيا الأقمار الصناعـية من اسـتخـدامه كمودم للوصل بالإنترنت، رغم ارتفاع أسعار استعمالها لهذه الغايـة... هـذا قبل أن يبدأ البعض بإدخال لواقط أقمار صناعية خاصة بخدمات الإنترنت إلى البلاد... ثم ظهـرت خـدمات الرسائل الصوتية التي وفرتها مواقع Twitter و SayNow التابعة لـ Google ما سـمح لمسـتخدمي الهواتف الأرضية بالاتصال بأرقام معينة وترك رسـالة صوتية مسجلة ليتم نشرها على المواقع المعـنية... وهو ما ترك الباب مفتوحـاً أمام المواطنين كي يواصـلوا تنظيم تحركاتهم واسـتلام المعلومات الخاصة بتطورات الأوضاع في مناطق مختلفة من البلاد... لكن رغم انقطاع وسـائل الاتصـالات الذي أرادته الحـكومة، فعـالم ثورة المعلومات كان يسـمح للآلاف بتسـجيل الأحـداث (صور وفيديو) باسـتخدام كاميـرات هـواتفهم المحـمولة؛ ما سـمح للبعض بالاحـتفاظ بالتسـجيلات ونشـرها حالما سـنحت الفـرصـة... حـتى أن المتظاهرين في ميدان التحرير بالقاهـرة قرروا إنشـاء مركز إعلامي صـغير مكون من خـيمتين لجمع التسـجيلات التي جـاء بها زملاؤهم، ووفقاً لأحـد مسـؤولي ذلك المركز تمكن المشاركون فيه من جمع 75 غـيغابايت في السـاعات القليلة الأولى من العـمل.


أمر مشـابه يحـدث في سوريا حـتى الآن، إذ أن السـلطات تقطع كافة وسائل الاتصـال عن المدن التي تقع تحـت الحصـار وتحت وقع هـجـمات قوات الأمن والجـيش، لهذا يقوم المواطـنون باستخدام هـواتفهم لتسـجيل الوقائع ثم يقومون بنقل بطاقات الذاكرة إلى الحدود مع الأردن جـنوباً أو مع تركيا شـمالاً ليسـلموها إلى أشخـاص يقومون بنشـرها على الفور عـلى شـبكة الإنـترنت.
لكن مع إتمـام عـمليات التنظيم وإيصال المعـلومات، فإن المظـاهرات يجـب أن تـتجـدد عـلى الأرض؛ في شـوراع المـدن والبلدات التي يريد مواطـنوها تغـيير الحـاضر وصـنع المسـتقبل المشـرق الذي يتمنون قدومه... لهـذا، فالعـمل الحـقـيقي كان يـبدأ في الشـارع، بمشـاركة الآلاف وهـتافاتهـم والمطـبوعات التي كانوا يوزعـونها بين بعـضـهم وعـلى الآخـرين... مواجـهة قوات الشـرطة والجـيش لم تكـن تحـدث في عـالم افـتراضـي على شـبكة الإنـترنت، بل كـانت سـاحـتها كـل أنحـاء البلاد.

حـتى المصـطـلحات التي تم اسـتخـدامهـا من قـبل بعـض المتـظاهرين في مـصر وتونس
كـانت مرتبطة بالعـصـر الإلكتروني المعـلوماتي الذي نعـيشه؛ مـثل اسـتخدام كـلمة
Game Over التي تسـتعـمل دائـماً في الألعـاب الإلكـترونية.

والواقع الذي نشـهده اليوم هـو أنه في بعض الحـالات، كـما هـو الأمر مع نظـام القـذافي، المظاهرات السـلمية لم تؤت أكلهـا، فهي لم تجـبر العـقـيد عـلى التنحـي، حـتى أنه أراد قـتـل كافة المشـاركين فيها؛ مـا دفع المحـتجـين إلى حـمل السـلاح وبدء معـركة [انتهت بمقتله وانتصار الثورة].
الحـقـيقة أن المظاهـرات اتسـعـت وازداد عـدد المشـاركين فـيها بعـد قـطع خـدمات الإنـترنت والهـاتف المحـمول... وهـم لم يبـدأوا باحـتجـاجـاتهـم لأنهم قرروا القـيام بذلك مـن دون دافع؛ الأحـوال الاقتصادية المتردية: البطالة، تدني مسـتويات التعـليم، الخـدمات الصحـية البائـسة، الفسـاد، الظـلم... كـلها أسـباب دفعـت جـيل الشـباب إلى رفض الواقع المفروض عـليهم مـنذ عـقود... وهي التي دفعـتهم إلى مواجـهة عـناصر الشـرطة والجـيش المسـلحين... وهـذا يجـعلنا نرى بوضـوح الإجـابة عـلى السـؤال الرئيسي في هـذا المقال: هـل كـان الربيع العـربي ثورة إلكـترونية؟   الشـعـب، في كـل دولة،  وليس التكـنولوجـيا هـو من صـنع الثـورة... فالمواقع الإجـتماعـية لم تكـن لتعـمل لولا المسـتخـدمين... والمسـتخدمون في هـذه الحـالة كانوا ثوارا ً غـاضـبين راغـبين في التغـيير...[إلا أن الأدوات التكنولوجية هي التي قدمت له سلاحاً قوياً مكنهم من مواصلة المواجهة، والانتصار في نهاية المطاف]... هـذا أيضـاً يجـعـلنا نتسـاءل عـن عـلاقة الحـركات التي تدعي تمثيل الدين بعـصر التكـنولوجيا... والفاصـل الزمني ليس طـويلاً عـن الوقت الذي خـرج فـيه الرجـل الذي مثـل أعـلى سـلطة في هـرم أكـبر تـلك الحـركات على شـاشات التلفزيون في برنامج حواري شهـير، ليقول إنه لا يعـرف كـيفية اسـتخـدام الإنـترنت ولا كـتابة البريد الإلكـتروني ولم يعـرف مـن كـان بيل غـيتس... فما عـلاقة هـؤلاء بعصـر مكـن الشـباب من الثـورة عـلى واقعهم رغـبة في إعـادة بلادهم إلى مقدمة صف الحـضـارة؟ ولمـاذا يسـمح لهـؤلاء بالقـفز عـلى الثـورات وإدعـاء أنهـم هـم مـن أطـلقها وهـم الذين يسـتحـقون جـني ثمارهـا؟

الأشخاص الذين أطلقوا شرارة الثورة في تونس، وبعد ذلك في مصر، كانوا من
فـئة الشباب المتعـلم الذي كان يمثل الشريحة الأكبر فـيما يتعلق بالتعامل مع
خدمات الإنترنت والتي كانت قادرة على التواصل إلكترونياً.

بالتـأكـيد، الثـورة كـانت من نـتاج العـقول المنـفـتحة عـلى مـا يجـري في العـالم؛ عـقول أدركـت أن شـعوب بلادهـا تحـيا في المـاضي بظـلامه وتعـاسـته، وأدركـت أن الدولة المدنية الحـرة التي يعيش فيها مواطـنوها كـافة بمسـاواة وعـدل، هـي الدولة التي يرغـبون في تأسـيسـها والحـياة فيها... لهـذا يـتوجـب عـلى الجـميع الحـذر مـن عـدم انزلاق بلادهم إلى فوضى التخـلف والانقسـام والمواجـهة بين أبناء الوطـن الواحـد... عـلى مـن عـمل لإسـقاط الأنظمة البائدة أن يواصل العمل كي لا تسـقط البلاد بيد أنظمة مشابهة، شـكلها فقط هو المخـتلف. [وهذا للأسف هـو ما نشهده اليوم].

Tuesday, November 20, 2012

قصص الطوفان


يعـتقـد الكـثـيرون أن قـصة الطـوفان وسـفـينة نـوح وصـلتنـا فـقـط عـن طـريق الروايات الديـنية والكـتب المقـدسـة للديانات السـماوية الثـلاث؛ إلا أن الحـقـيقة هـي أن القصـة مـصدرها أسـاطـير سـبقت ظـهـور أي مـن تـلك الديانات... وفي الواقع، تشـير مـعـظم تلك الأسـاطـير إلى أنه بالفـعل كان هـناك طـوفان، لكـن الشـيطان يكـمن في التفـاصـيل... لمعـرفـة المزيـد، تـتـواصـل الأبحـاث العـلمية في مجـالات الآثـار والتـاريخ وحـتى الجـيولوجـيا لتحـديد أصـل هـذه القصـة ومصـدرهـا الحـقـيقي وظـروف ظـهـورها عـلى مـر العـصـور في ثـقافـات عـدة.

ملخص القصة: بعض البشر في زمن نوح كانوا ظالمين وتولوا عن عبادة الإله الواحد واستغنوا عنه، فغضب الإله عليهم وقرر الانتقام من البشرية جمعاء بإرسال طـوفان عـظيم يدمر كل شيء ويزيلها عن ظهر الكوكـب باسـتـثناء نوح نفسـه وعـدد من الأفـراد الذين آمـنوا برسالته... الإله أمر نوح ببنـاء سـفـينة كـبيرة تحـمله وتحـميه ومن معه إضـافة إلى زوجـين من كـل نوع حـيواني حـتى تـنحسر المـياه ويبدأ هـو وأتبـاعـه بإعـمار الأرض من جـديد.
اليوم، وبعد لحـظة من السعـادة الكـبرى التي جـاءت بعـد اكتـشافات عـالم الآثار البريطاني ليونارد وولي في مـدينة أور (العـراق) والتي اعـتقد البعض أنهـا تؤكـد حـدوث طوفان عـظـيم ربطـوه عـلى الفـور بالرواية الدينـية الخـاصة بسـفيـنة نوح، بعد تلك اللحـظة جـاءت البراهين العـلمية التي كان آخـرها الدلائل التي توصل إليها الجيولوجيان ويليام رايان ووالتر بيتمان والتي تؤكـد أن ما حـدث في تلك المنطقة جاء نتيجـة ارتفاع كـبير في منسـوب مياه البحـر الأسـود الذي وصـلته مياه من البحر المتوسط مروراً بمضيق البوسفـور، وذلك بحـدود العـام 5600 قـبل الميلاد... ووفـقاً للعـالمين، كل أسـاطير الطـوفان ما هي إلا السجل الجماعي الذي تمت كتابته حول تلك الكارثة الطـبيعية التي طُـبعت رعباً في ذاكرة الثقافات على مر الألفيات... لكن رغم ذلك، هناك الكثير من الادعاءات حول اكتشاف بقايا "سـفن" نوح في مناطق مختلفة مـن تركيا، أرمينيا، إيران وغـيرها في محـيط المنطقة ذاتها.

اللوحـة إلى اليسار تظـهر، وفـق الرواية الدينية، الآثـمـين الذين لم يصـدقوا نـوح بعـد تواصل هـطـول الأمطـار
وتشـكل الطـوفان الذي حـمل سـفـينة نوح بمن فـيها إلى النجـاة... الفسـيفساء إلى اليمين موجـودة في كنيسة
سان ماركـو بمدينة البندقية (فيـنيسـيا) شمالي إيطاليا، وتظـهر نوح وهـو يرسـل حـمامة بيضـاء لمعـرفة ما إذا
كانت قـد ظـهرت يابسـة في مكـان مـا مـن الأرض.


مصادر المعلومات وتعـددها
الوثـيقة الأقـدم المتوفرة لدينا Sumerian Eridu مـحـفوظة في متحـف بنسلفانيا وهـي باللغة السـومرية وتعـود للقرن الثاني والعشرين قـبل الميلاد، وتروي كـيف نصـح الإله إنكي الملكَ زيوسودرا ببناء قارب لإنقاذ عائـلته من الطوفان... اكتشـافها تم في العـام 1895 في مدينة نيبور (العـراق)... في الفـترة التالية لكـتابة الوثيقة دخـلت شـعـوب سامـية تلك المنطقة فـحـدثت تغـيرات عـلى اللغة لتصبح فيما بعـد الأكـدية (الأشـورية-البابلية)... في تلك الفـترة، كـتبت وثـيقة أخـرى؛ عـبارة عـن قصـيدة من 1245 بيتـاً تحـمل اسـم بطـلها؛ أترا-خـاسـيس (Atra-hasis)... هـذا الإسـم يعـني "الحـكـيم الكـبير"، الذي يسـاعـده إلهـه عـلى النجـاة مـن الطـوفان... هـذه الوثـيقة محـفـوظـة في المتحـف البريطاني.
نصـل بعـد ذلك إلى الوثـيقة الأكـثر شـهـرة في تاريخ بلاد الرافـدين؛ ملحـمة غـلغامش، والتي حـفرت على لوح طـيني تم العثور عليه عـام 1853 ضـمن مكـتبة الملك أشـوربانـيبال في نينوى بالعراق، إلا أنهـا تعـود لعصـر سـابق؛ ما بين القرنين الرابع عـشر والثالث عـشر قـبل الميلاد... في القصـيدة، يروي مؤلفها "شين إيقي أونيني" حـكاية غـلغامش كـلهـا في عـمل أدبي متكامل تدور فكرته حول البحث عـن الخلود ويـنـقـل أعمال ملك أوروك مع إنكـيدو وموت إنكـيدو وقصـة الطـوفان... وهـنا الإله إيا (أو إنكي بالسـومرية) يحـذر الرجـل الصالح أوتنابيشـتين من الكارثة ويطـلب منه بنـاء قارب ينـقـذ الأحـياء.
الباحـثون يؤكـدون أن أسـس رواية الفيضـان المذكـورة في ملحـمة غـلغـامش تـتطابق مع تـلك في قصـيدة أترا-خـاسـيس، مـا يعـني أن هـناك من نـقل عـن الآخـر، أو أن يكـون للوثـيقـتين مصـدر أقـدم منهـما ذكـر تـفاصـيل الحـكاية.
لكـن هـناك كـذلك وثائق تاريخـية حـول الموضوع ذاتـه ظـهـرت بعـيدة عـما ذكرناه سـابقاً؛ بعـيدة مكـانياً وزمـانـياً... مكانياً، هـناك لوح أوغـاريت؛ وهـي مـديـنة أثـرية تقع عـلى مسافة 12 كـيولومتراً شمال مدينة اللاذقـية السورية وتـطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط... اللوح يعـود للقرن الثالث عـشر قـبل الميلاد.
أما زمانـياً، فـهـناك الرواية المذكـورة في الكـتب المقدسة للأديان السماوية... وفيها نجـد اخـتلافات في بعض التفاصـيل؛ إلا أن المسـار العـام للأحـداث هـو ذاتـه لا يتغـير... وكذلك نجـد رابطـاً واضـحاً بين روايات الكـتب المقدسة وتلك التي وصـلتنا من نصـوص بلاد الرافدين: السـفـينة، الحـيوانات التي يتم إنـقاذها، الطـيور التي يتم إرسالها للتأكد من انتهاء الطوفان وغـيرها.
آخـر الوثائق الخـاصة بقـصة الطوفان تأتـينا من كاهن بابلي اسـمه بيروسوس في القرن الثالث قبل الميلاد... النص الأصـلي ضـاع ولم يتم العـثور عـليه، إلا أن ما وصـلنا كـان أجـزاء منه نـقلهـا أشـخـاص في عـهود لاحـقة.

تمـثال يظـهر غـلغـامش؛ ملك مديـنة أوروك السامـرية وفي يده أسـد... التمـثال محـفـوظ في متحـف اللوفـر بباريس.


أين هـي السـفـينة؟
المعلومات التي تـقدم لنا إجـابة عـن هـذا السؤال تـأتـينا من أربعة مصـادر رئيسية... الأحـدث هـو الـقـرآن الذي يحـدد مكان رسو سـفينة نوح عـند جـبل الجـودي (أو Cudi Dagh) جـنوب شـرقـي تركيا قرب الحـدود العراقية السـورية... المـصدر الثـاني هـو وثـيقة بيروسوس التي تـحـدد الموقـع عـند سـلسلة جـبال الأكـراد في أرمينيا (التي من المحـتمل أنها لا تمثل الدولة التي تحـمل ذلك الاسم اليوم)... ثم هـناك العـهـد القـديم الذي يحـدد المكـان بمنطـقة جـبال آرارات التي يـقـع أعـلاهـا عـلى بعـد 200 كـيلومـتر شـمال الجـودي... والوثـيقة الأقـدم بالطـبع هـي ملحـمة غـلغامش التي تحـدد اسم الجـبل الذي رسـت عـنده سـفـينة نـوح؛ نيسـير (أو نيموش وفق قراءة أخـرى)... ما سـاعـد العـلماء في تحـديد هـوية هـذا الجـبل اليوم هـو نص مـنقول عـن الملك الآشـوري آشـورناسـيبال والذي يدور الحـديث فيه عـن أحـد انتصاراته؛ وما يعـتقده المخـتصون أن الجـبل هـو جبل بيره مكرون في محـيط مديـنة السليمانية شمال شـرقي العـراق... ما تـبقى قوله هـو أن كل ما تـتـناقله بعض مواقع الإنترنت (الدينية منها على وجه الخصوص) حول اكتشاف بقايا للسفينة في أي من المواقع المذكورة عار تماماً عن الصحة ومرفوض بشكل كامل من قبل الوسط العلمي.




Thursday, November 1, 2012

عصر إلكتروني جديد

الحياة التي نعرفها اليوم تختلف تماماً عما عهده آباؤنا... الدنيا الآن ليست تلك التي تحدث عنها الفلاسفة والمفكرون قبل خمسين عاماً، فالعلم والتطبيقات التكنولوجية التي جلبها غيرت ملامح البشر وأسلوب حياتهم في كل مكان.
العالم يتحول تدريجياً نحو التطبيقات الإلكترونية، سواء برمجيات أو أجهزة، في كل ما كنا يوماً نعتمد عليه فيما يتعلق بالحصول على المعلومات أو بالترفيه، أو بالاتصال والتواصل مع المقربين أو مع العالم برمته.
ثورة المعلومات قدمت لنا وسائل جديدة جعلت حياتنا أسهل ويسرت وصول المعارف والأنباء إلينا... جزء كبير من هذه النقلة جاء مع انتشار أجهزة الهواتف الذكية التي مكنتنا من البقاء على اتصال بأصدقائنا وبزملائنا في العمل طوال اليوم وفي كل مكان... ثم أصبحت تلك الهواتف تقدم لنا خدمات تصفح الإنترنت وقراءة الكتب وسماع الموسيقى ومشاهدة الأفلام والاستمتاع بالألعاب الإلكترونية، والكثير الكثير... لكن ما أضاف لمسة سحرية إلى كل هذه الخيارات والخدمات كان، من دون شك، الكمبيوتر اللوحي.


شركة أبل، وإن لم تكن الأولى، نجحت في طرح منتج متكامل؛ خفيف الوزن، وسهل الاستخدام... الآيباد كان نقطة التحول الكبرى في هذا المجال؛ إذ فتح الباب أمام كل الشركات المنافسة للدخول في سوق جديدة... أبرز تلك الشركات كانت سامسونج التي توجهت نحو إصدار أجهزة لوحية قياس شاشاتها يتراوح بين 7 إنش و10، في حين قدمت شركة أسوس منتجات مثل ترانسفورمر حظيت بنجاح مماثل... أما شركات أخرى كانت لم تعرف الفشل سابقاً، مثل شركة RIM المنتجة لهواتف بلاك بيري، فقد تلقت صفعة تلو الآخرى، أولاً في مجال مبيعات هواتفها ثم في السقوط المريع لكمبيوترها اللوحي PlayBook.


الآن تنتقل أسواق الكمبيوترات اللوحية إلى مرحلة جديدة... فمع تصدر شركة أبل للمبيعات، برزت منتجات أخرى تنافس في الجودة وفي الأسعار... أكبر مثال على ذلك هو جهاز Google Nexus 7 الذي لاقى قبولاً كبيراً ونجاحاً غير مسبوق؛ إذ كانت المعادلة التي جلبها إلى السوق جديدة بالكامل، منتج متكامل بمواصفات متقدمة وسعر لا يمكن أن يقاوم... ليتبعه مؤخراً جهاز Nexus 10 الذي يؤكد كثيرون أن نقاء شاشته وكثافة عرضها الرقمية هي الأفضل على الإطلاق الآن.


ما كان حكراً على شركة أبل أصبح مفتوحاً أمام العديد من الشركات حول العالم؛ فدخول أمازون وغوغل وسامسونج وغيرها هذه السوق ودفعها هي الأخرى بمنتجات متفوقة، وبأسعار في متناول الجميع، شكل صفعة كبيرة لأبل... ما شجع شركة التفاحة الشهيرة هي الأخرى على طرح منتج بشاشة صغيرة (iPad Mini) رغم إعلان الراحل ستيف جوبز عام 2010 عن رفضه القاطع لتلك الفكرة وقناعته بأنها ستبوء بالفشل.

المهم في كل هذا الأمر هو أن الخيارات أمام المستهلكين أصبحت كثيرة وأجهزة الكمبيوتر اللوحي أصبحت واقعاً يحمله كل صغير وكبير أينما ذهب؛ تبقيه على اتصال مع العالم وتسمح له بزيادة معارفه ومعلوماته على الدوام.

Friday, September 14, 2012

العلم للجميع... وبالمجان


من أولى المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا، وهي مشكلات تتسبب دائماً في خلق ظروف تجعل من الصعب حتى البحث عن سبل تقود للوصول إلى حلول واقعية؛ نقول من أولى تلك المشكلات غياب التعليم بالمستوى الذي يتمتع به تلاميذ وطلاب المدارس والجامعات في الغرب، وفي عدد لا بأس به من مدارس وجامعات الشرق.
للأسف، نجد أن العملية التعليمية في الدول العربية لا تتجاوز كونها عملية تلقينية تغيب عنها تجارب الحض على البحث والتفكير باستقلالية والحث على فحص الأمور بصورة نقدية شكوكية... إذ أن أساس التعليم الحق يتلخص في خلق أفراد قادرين على الاعتماد على أنفسهم وعلى التفكير بشكل مستقل... واستقلالية التفكير تقود دائماً إلى الإبداع والابتكار.

لكن ماذا لو كانت هناك إمكانية متوفرة للجميع كي يحصلوا على تعليم متقدم من أفضل الجامعات والمراكز البحثية في العالم؟ بل فلنذهب أبعد من ذلك: ماذا لو كانت هناك إمكانية لتحصيل العلم والمعرفة من تلك المؤسسات مجاناً؟
رغم أن ذلك يبدو حلماً جميلاً لكثيرين حول العالم، فمن الواقعي الآن القول إن الحلم تحول إلى حقيقة.
الفكرة ليست وليدة اليوم، فالعديد من الجامعات بدأت منذ أعوام طويلة في توفير برامج دراسية لعدد من التخصصات عن طريق المراسلة... في البداية، كان الحصول على المواد الدراسية (الكتب مثلاً) بالبريد، في حين كان الطلاب يتقدمون بالامتحانات بأشكال عدة، منها ما يسمى بامتحانات الكتاب المفتوح، أو بالتوجه إلى مراكز معينة توفر أماكن مرخص لها بتأدية الامتحانات لتلك الجامعات... ثم تطورت أساليب الدراسة عن بعد، فقد دخلت، بالإضافة للمواد المطبوعة، تكنولوجيات الفيديو والتسجيلات الصوتية لتمكن الطلاب من "مشاهدة" المحاضرات والاستماع للأساتذة والتجهيز للامتحانات بشكل أفضل... ثم وصلنا عصر الإنترنت الذي فتح للجميع كل الأبواب... فبدأت جامعات في توفير برامجها الدراسية "أونلاين"؛ ما يمكن الطالب من تنزيل الكتب وتسجيلات الفيديو الخاصة بالمحاضرات، بل والاستعانة كذلك بأدوات الوسائط المتعددة Multimedia للحصول على فهم أوسع وإدراك أشمل للمادة العلمية التي يقوم بدراستها.
لكن المشكلة التي تواجه البعض (بخاصة في الدول النامية والفقيرة) لن تحل بتوفر هذه البرامج الدراسية على شبكة الإنترنت، إذا كانت تكلفتها تفوق استطاعتهم... وهنا جاء دور الخيرين ممن يؤمنون بأن التعليم حق للجميع وأنه من غير المقبول أخلاقياً ما وصلته بعض الجامعات الآن فيما يتعلق بوضع رسوم باهظة جداً تمنع الغالبية العظمى من الراغبين في الدراسة من الالتحاق بها؛ وهو ما خلق المزيد من التفرقة بين الطبقات الاجتماعية بل وعمقها... هؤلاء رأوا أنه من الضروري توفير المعارف البشرية لأي شخص، سواء كان في قرية في بنغلاديش أو في بلدة صغيرة بتنزانيا... هم يدركون كذلك أن الحصول على تعليم بدرجة معينة يعني التخلص من دائرة الفقر والتعصب القومي والديني، ويسمح للمرأة بالخروج من نطاق الاستبداد الذكوري الذي يسيطر على مجتمعاتنا؛ فالعلم يوسع المدارك ويفتح آفاقاً جديدة، وبما أنهم يعرفون مستويات الدخل في عدد كبير من دول العالم، فقد قرروا تقديم خدماتهم التعليمية من دون مقابل مادي... كل ما هو مطلوب من الراغب في الدراسة هو جهاز كمبيوتر واتصال بشبكة الإنترنت.
أول من فتح الباب أمام هذه الإمكانية بشكل واسع كان سلمان خان الذي يقدم عن طريق موقع أكاديميته www.khanacademy.org عدداً كبيراً من الدورات التعليمية المدعمة بتسجيلات الفيديو لمستويات تعليمية مختلفة (ابتداء بالمراحل المدرسية وانتهاء بالجامعية)، وذلك في موضوعات دراسية متنوعة؛ منها الرياضيات والكيمياء والفيزياء والبيولوجيا وعلوم الكمبيوتر وغيرها.. كل ما عليك عمله هو التسجيل واختيار الموضوع الذي ترغب بدراسته والانطلاق على الفور.
موقع آخر يقدم عدداً محدوداً من الدورات الجامعية هو موقع www.udacity.com... الموقع الذي أسسه كل من سباستيان ثران وديفيد ستافنز ومايك سوكولسكي يقدم 15 دورة مختلفة بمستويات ثلاثة: ابتدائية، متوسطة، ومتقدمة... يمكن لأي شخص التسجيل والالتحاق بأي دورة ومتابعة تسجيلات الفيديو الخاصة بها، ثم التقدم للامتحان في أي وقت يريد والحصول على شهادة توثق الجهد الذي بذله في الدراسة وفي اجتياز الامتحان.

الجهد الأكبر جاء من مجموعة أخرى قررت توفير دورات جامعية تتوفر لدى الطلاب الملتحقين بأفضل الجامعات في العالم وفي تخصصات عدة... مؤسسو موقع www.coursera.org تمكنوا من التعاقد مع عدد كبير من الجامعات المرموقة كي توفر موادها التعليمية لأي شخص يرغب في الدراسة... وبخلاف ما هو متبع في أكاديمية خان ويوداسيتي، فللدورات مواعيد يجب احترامها وتواريخ محددة للامتحانات... وبالإضافة إلى كل ذلك فإن الحصول على شهادة تثبت التحاقك بالدورة وتجاوزك امتحانها يتطلب حصولك على معدل لا يقل عن 75% في معظم الحالات... من المعاهد والمؤسسات التعليمية التي تقدم خدماتها والتي يشارك أساتذتها في هذا الجهد الإنساني العظيم نجد من الولايات المتحدة جامعات ديوك وجونز هوبكنز وبرنستون ورايس وستانفورد وكاليفورنيا وواشنطن وفرجينيا وبنسلفانيا وغيرها، ومن اسكتلندا جامعة إدنبرة ومن كندا جامعة تورونتو ومن سويسرا جامعة البوليتكنيك بلوزان ومن الهند المعهد الهندي للتكنولوجيا.
آخر هذه الجهود جاء من مؤسسة قامت بالتنسيق لتقديم برامج تعليمية خاصة بجامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للجميع... موقع المؤسسة www.edx.org يقدم في الوقت الحالي سبع دورات تعليمية في الكيمياء وعلوم الكمبيوتر والذكاء الصناعي والإلكترونيات وغيرها... الدراسة هنا، كما في كورسيرا، لها قواعد محددة: مواعيد لإتمام المحاضرات وتأدية الامتحانات... وفي حالة اجتياز أي من الدورات بنجاح وبدرجة لا تقل عن الحد الأدنى المطلوب، يمكن للطالب الحصول على شهادة من الجامعة ذات الصلة.
في النهاية، لم يعد هناك سبب يمنع أي شخص من الدراسة والتعلم وتعميق فهمه للكون وزيادة مهاراته وتطوير قدراته بالاستعانة بعالم من المعارف الذي تقدمه أفضل المؤسسات العلمية والتعليمية في العالم أجمع.

When AI Predicts a Crime Before It Happens

AI can now detect signs of violent intent before violence occurs. That may save lives, but it also raises an unsettling question: when does ...