Monday, August 23, 2021

“Musulmano Cattolico?”



Many years ago, when I was a newcomer to Italy, I rented an apartment from a sweet old lady. She used to remind everyone almost every day that she was 88 years old, and that she took care of herself all alone.
I found the apartment, which was simply a room and a bathroom and a kitchen-corner, acceptable, for both my needs and for what I could pay back then.
The old landlord kept coming to visit me each evening, just to check on me and to ask if I needed something, and in the meanwhile, each evening, she was telling me parts of her story; how her husband died years ago, and how her children left her alone; a daughter that got married and moved to another city with her husband, and a son who immigrated to another country. She had only her house and the apartment where I lived to take care of; a small world she had indeed.
The thing that keeps reminding me of this lady is that during one of her visits, she reluctantly asked me, very innocently: “Are you Catholic?”, I said: “No, I am Muslim”, after some seconds of silence and reflection, she came back with another question: “A Catholic Muslim?” (“Musulmano Cattolico?”) at that point I smiled and simply said: “Yes”.
It was there that the idea became very clear to me, Christians, Catholics, Protestants, Jews, Orthodox, Sephardic, Muslims, Sunni, Shiite, Sikh, Buddhists, we are all the same; humans that should only think of each other as equals. And it is not bad or strange or offending to think of someone as Muslim Catholic, or Christian Sunni, or Jewish Protestant, if you do believe that we are all the same.
The old lady knew all about life: We are the same, and all the differences that we see between us, are things that we created ourselves; they do not exist.
Like
Comment

Sunday, April 25, 2021

العجوز والغرفة المظلمة


دخلت إلى بيته، جلست أمامه وفي عينيها حزن كبير.. تجاعيد وجهها تحمل أثقال سنين عديدة، وملامحها تكشف ألماً طال أعواماً من حياتها.. سيدة مسنة، قد تكون في عقدها السابع أو الثامن، تحركت ببطء من الباب المفتوح أمامها، حتى وصلت إلى كرسي متواضع بدا مخصصاً لها في تلك الغرفة الصغيرة.
نظرتها إليه وحركة يديها والتردد في بدء حديثها، كلها أمور أظهرت خوفاً عميقاً في قلبها وعقلها؛ خوف من المواجهة وقلق من ردة الفعل ورعب مما سوف يتبع اللقاء والحديث والنقاش.
حركت رأسها لتنظر إلى زوايا المكان وتدقق في تفاصيله ومحتوياته، وبالرغم من كل ما في تلك الغرفة من رسوم وزخارف وتصاميم، فهي لم تر شيئاً سوى الظلام الذي كان يسود في الغرفة، باستثناء زاوية كان بها مصدر نور، لم تعرف طبيعته.
استجمعت قواها وقررت أن تبدأ هي في الكلام؛ "هل تعرف من أنا؟" سألت وانتظرت لحظة قصيرة قبل أن تجيب بنفسها: "بالطبع تعرفني، وتعرف كل حكايتي، كم أنا بلهاء لأطرح عليك مثل هذا السؤال". ثم عادت لتقول: "مع ذلك، اسمح لي أن أقدم نفسي وأروي قصتي".
"بدأت حياتي في قرية صغيرة، لن أذكر اسمها، فأنت أدرى بموقعها وبما حل بها، كنت صغيرة جداً عندما اندلعت الحرب، لم أفهم سببها، ولم أدرك من كان العدو ومن كان الصديق أو حتى على ماذا كان الصراع وقتها.. لكن ما أعرفه هو أن والديّ قررا الفرار والتوجه إلى ما وراء الحدود طلباً للعون وخوفاً من الموت ورغبة في حمايتي وحماية اخوتي وأخواتي... كنا خمسة، ثلاث بنات وولدان؛ لم يصل منا سوى أبي وأمي وأنا وأخواي."
تصمت قليلاً، وكأنها تحاول استرجاع ذكريات تلك الفترة، التي كانت فيها صغيرة لم تتجاوز الثامنة من عمرها؛ ذكريات باتت جزءاً منها ومن كل لحظة عاشتها بعد ذلك.. "وصلنا منهكين، جائعين.. غيرنا كثيرون وصلوا إلى الحدود وقد نهشت أجسادهم الأمراض، وشل أطرافهم البرد، أو فقدوا ساقاً أو ذراعاً في تفجير أو هجوم.. الصراخ والبكاء والتأوهات والعذاب، كانت الخلفية لكل المشاهد المطبوعة في ذاكرتي من تلك الأيام.. لا أكاد أذكر حدثاً أو وجه شخص، إلا وكان يسود المكان صوت طفل يبكي أو أم تنوح أو رجل يصرخ من شدة آلامه".. تظهر الدموع في عينيها، تخرج منديلاً وتضعه على وجهها لثوانٍ قصيرة، ثم تنظر إلى مضيفها، وتعود إلى حديثها: "لماذا؟ لماذا حدث كل ذلك؟ ما ذنبنا؟ والدي كان مزارعاً يعمل في بستانه، وأمي كانت ترعانا وتقوم بالعناية بمنزلها وبحياتنا.. لماذا؟ أعرف أنها أسئلة تصعب إجابتها، لكن من حقي أن أسألك: لماذا؟"
"استقبالنا في الجانب الآخر من الحدود لم يغير من أحوالنا كثيراً.. تم نقلنا إلى منطقة قاحلة، نصبت فيها خيام وقيل لنا: 'ابقوا هنا.. انتظروا أن تنتهي الحرب، ثم نرى ما سنفعل بكم بعدها'.. لا أريد أن أخبرك عن نوعية الطعام الذي كانوا يحضرونه إلينا كل يوم، بكميات هزيلة، لم تكن تتسبب إلا باندلاع شجار هنا وشجار هناك، بين من يريد أكثر لإطعام أبنائه أو من يرى أن آخر أخذ أكثر مما يستحق."
تنظر إليه مجدداً، وترفع من صوتها: "أنت تعرف عما أتحدث، أنت كنت معنا هناك، لكنك لم تفعل شيئاً لمساعدتنا، كنت أسمع والدي يطلب منك العون كل يوم، يبكي أمامك ويطلب منك أن تنهي عذابنا وتنقذنا، لكن..."
تعاود النظر إليه، ربما منتظرة أن يجيبها أو يفسر لها ما كان.. لكنها تقرر أن تواصل حديثها، فهي تعرف أن ما سيقوله لن يغير مما شهدته في حياتها شيئاً. "انتهت الحرب، لا أحد يعرف كيف انتهت، كما لم يفهم أحد لماذا اندلعت.. ووجدنا أنفسنا في بلد غريب لا يريدنا، بعيداً عن وطن لا يُسمح لنا بالرجوع إليه." تنظر إلى الزاوية المضيئة في الغرفة وتسأل: "كيف يمكن لشخص أن يصبح بلا وطن؟ كيف يمكن لإنسان عاش حياته بسلام وأمن أن يجد نفسه مشرداً بلا مأوى؟ من المسؤول عن ذلك؟ أنت؟ أنا؟ من؟"
تتناول كوباً من الماء، وجدته أمامها على طاولة صغيرة، وتشرب منه، ثم تفتح عينيها وكأنها تذكرت تفصيلاً مهماً لم تتحدث عنه: "أنا أيضاً كنت آتيك مع والدتي لنطلب مساعدتك، أتذكر؟ كنت أرى أمي والدموع في عينيها وهي تتوسل إليك."
"على كل حال، لم تستمر أوضاعنا تلك طويلاً، فقد تمكن أبي من العثور على عمل متواضع، سمح لنا بارتياد مدارس جيدة، ووفر لوالديّ إمكانية استئجار بيت صغير، عشنا فيه حتى تزوج أخي الأكبر وهاجر إلى الغرب، وتخرجت أنا من الجامعة وتزوجت، فيما توفي أخي الصغير بعد إصابته بمرض لم تكن لدى والدي القدرة المادية على تغطية تكاليف علاجه.. حزنت والدتي عليه كثيراً، توقفت عن الكلام، كنا نرى روحها تغادر جسدها يوماً بعد يوم، شيئاً فشيئاً، حتى لحقت به وبمن سبقه".. جئتك مرات عديدة في تلك الفترة، طلبت منك أن تساعدنا في توفير المال اللازم لعلاج أخي وفي مداواته، ثم طلبت منك أن تقف إلى جانب أبي وتعطه مبلغاً يسمح بنقل أمي إلى المشفى، لكنك خذلتنا مجدداً.. تركته في أزمته، كنت متفرجاً لا أكثر، لم تحرك ساكناً.. أنا لا ألومك طبعاً، فأنت كنت دائماً تطلب منا أن نعتمد على أنفسنا ولا ننتظر من الآخرين شيئاً، مهما كان صغيراً، لكنك تعرف ما كنا فيه، تعرف مدى قدرات أبي وأمي، لماذا لم تعطنا ولو مبلغاً صغيراً لكي تحول دون وقوع مأساة تلو الأخرى؟ لماذا؟"
"أرجوك لا تغضب مما أقول، لا أريد أن تفهم أني ألومك على ما حدث، لكن أليس من حقي أن أحزن وأغضب وأبكي... وأسأل؟ أليس من حقي أن أثور وأنفعل؟"
"لماذا لا تجيب؟ هل تريدني أن أغادر؟ لماذا سمحت لي بالدخول إن لم تكن تريد أن تتشارك معي في الحديث وتفسر لي ما حدث معي طوال سنوات عمري؟".. تصمت لبرهة، ثم تغمض عينيها، وتهمهم: "لماذا رفضت مساعدتنا؟ لماذا فضلت المشاهدة وعدم التدخل؟ ألست منا ونحن منك؟"
تبكي بحرقة لدقائق قليلة.. تعتذر مجدداً وتعاود الحديث: "رُزقت بثلاث بنات وابن واحد.. الابن كان الأكبر..كم كان حنوناً ومحباً لنا ولكل من عرفه.. كان ملاكاً بكل ما في الكلمة من معاني الطيبة والروح المرحة ونقاء القلب، فضلاً عن وسامته.. كنت أرى فيه صورة أبي، وكان أقرب إنسان إليّ.. لم يعش في دنيانا هذه أكثر من عشرين عاماً.. أصيب بالمرض الخبيث، الذي لا علاج له.. تألم في أسابيعه الأخيرة بصورة لم أشهد مثيلاً لها أبداً.. لكن، لماذا؟ هل من العدالة أن يذهب شاب مثل ابني لم يؤذ أحداً في حياته، فيما يسرح القتلة والفاسدون والمجرمون ويمرحون في كل مكان؟ لماذا لم يظهر داء يصيب هؤلاء ليحمي الناس منهم؟ لماذا يعمّرون ويعيشون ويتمتعون، فيما نعاني نحن ونتعذب ونتألم ونفقد أعز أحبابنا؟ قد يكون هذا مخططاً لا أعرف تفاصيله، أن يعيش ويتمتع الأشرار في هذه الحياة بينما يعيش ابني ويتمتع في الحياة الثانية.. لكن لماذا لا يعاقب المجرمون في حياتهم على أفعالهم في هذه الدنيا، ولماذا يجب علينا العذاب والألم في هذه الحياة؟"
تتحرك بثقل وتقف على قدميها، وتنظر إلى مضيفها: "لماذا لا يعود ابني إلي؟ ما الذي سيتغير في مسار الكون، إن عاد إلي صغيري؟ العقود التي عشتها بعد رحيله، مرت وكأنها آلاف السنين.. راودتني فكرة المجيء إلى هنا للحديث معك مرات عديدة، لكني كنت أقول لنفسي: 'لماذا؟ هل سيغير حديثي معك شيئاً؟' أنا أعرف أنك لن تغير شيئاً، لكن لم أستطع أن أصمت أكثر، كان علي أن آتي إليك وأسألك: 'هل ترى في مسار حياتي عدلاً من أي نوع؟ هل تعتقد أني أخذت من حياتي أي لحظة سعادة ورضا؟' "
تنهي الحديث وتتوجه مشياً صوب النور في زاوية الغرفة.. وتسير نحوه بدون تردد.. فتبدأ أجهزة مراقبة المريض في غرفتها بالمستشفى في إصدار تنبيهات متتالية؛ توقفت نبضات القلب، توقفت قراءات النشاط الدماغي.. يهرع الأطباء إلى غرفتها، يحاولون إنعاشها بكل الطرق، لكن قضي الأمر.. فقد قررت الذهاب باتجاه النور... في زاوية غرفة مضيفها.

Saturday, February 6, 2021

The phones I had… The history of mobiles

To talk about the phones that we have been using in almost all of the last quarter of a century, especially for someone like me, who keeps on looking after what is new and more advanced, and who keeps searching for devices that offer more and have better specs; by doing that, we can, in a way, tell the story of this beloved handheld small machine, that became an essential part of our day-to-day, hour-to-hour, and minute-to-minute lives.

Of course, it will be impossible to list all the phones I used over the years, and still have, but I will choose those that represented each technological jump that we witnessed year after year.

The first phone I ever owned (1997) was one that has the least known name in the industry, a phone produced by a UK/Italian company that was called Telital, before it changed its name to Telit. That phone was Telital Gsm (pic.1). It was cheap, big, with a relatively large display (at the time) and served its purpose well.

Pic.1

The second phone I remember to own was from Ericsson (2000), it was the grandfather, if not the great grandfather of the smartphone. It had a big screen, with a stylus, a keypad that opens to reveal the beautiful display (monochrome, of course) and all that it offers, from phonebook to e-mail to the notes app. This was the Ericsson R380 (Pic.2). It is worth mentioning though that configuring anything in that phone (such as e-mail) was so complicated and time consuming, that many people had to settle with using it only as a normal phone.

Pic.2

The idea of having a device that can do more than just make and receive phone calls and SMS messages, left me incapable of going back to dumb phones, that is why I was excited when I saw the next phone in the showroom of the great Emmezeta store in Italy; the device was a Motorola, a shiny Accompli 008 (Pic.3). This was a huge leap; it had a futuristic look with a silver body and it really offered the possibility of checking your mail, navigating the web, taking notes, and syncing with a PC, like no other phone did at the time (2002).

Pic.3

From here on, things got only better and more interesting. Sony Ericsson collaboration produced some of the best phones ever to be seen, and one of them was my next purchase, in 2004; the P800 (Pic.4); the first smartphone with a colored display, a camera, a stylus, and the possibility to download and install apps. It was a real pleasure just looking at it.

Pic.4

Another smartphone, which left a huge mark on the industry is the Nokia Communicator 9300i, which I managed to own for a good while in 2005 (Pic.5).

Pic.5

My first experience with Windows Mobile was in 2006, with the Eten Glofiish M700 (with its sliding keyboard and colored screen and its stylus) (Pic.6), then with the HTC HD2 (2009), which had a gorgeous display and eye catching app graphics and animations (Pic.7).

Pic.6

Pic.7

In 2010, I had a chance to use an iPhone 3Gs (Pic.8). To be clear, I did not buy it, I received it as a gift from my brother. It was a new experience, it was the first time I had to deal with new concepts, such as Jailbreaking and installing alternative app stores, it was good for a while, before going back to other phones, such as the HTC EVO 3D (Pic.9), which offered the first experience (at least to me) to watch videos in 3D.

Pic.8

Pic.9

But then came Samsung Note. The first Note I bought was the one with moderate specifications; The Note 3 Neo (Fig.10), and it was perfect in all aspects, it converted me completely to Samsung, I became a loyal Note user, and even though many times, I was buying other phones from Xiaomi, Huawei, or Microsoft, I was always coming back to the Note. In fact, I had the Note 4, Note 5, Note 8, Note 20 Ultra.

Fig.10

iPhone is also a great choice, especially with its last iteration; the iPhone 12 max, but when you get used to the freedom offered to you by Android, it is difficult to accept the limitations of iOS.. But that is a story for another time.


Saturday, January 30, 2021

النوستالجيا.. وما قبل 2020

النوستالجيا، أو ما يعرف بالعربية بـ"التوق إلى الماضي"، هي حالة يمكن تعريفها بأنها شعور دافئ بالحنين إلى ما هو مرتبط بذكريات الماضي، وفي أغلب الحالات، يكون هذا التوق مشوباً بالحزن، لأننا جميعاً نتذكر الظروف والتجارب التي مرت بنا عندما كنا أصغر سناً، أكثر شباباً، أشد وأقوى مما نحن عليه اليوم، وعلى الأغلب لأنه يعيد إلى أذهاننا قرارات اتخذناها وخيارات قد نكون أخطأنا فيها، ولم نتمكن من إصلاحها، أو نكون قد أدركنا أن البدائل كانت أفضل، وأنها ربما كانت لتجلب لنا سعادة نفتقدها في حاضرنا.

 

بعض الأبحاث العلمية تشير إلى أن الحنين للماضي قد يكون أمراً إيجابياً للصحة العقلية ويمكنه أيضاً تقليل أعراض القلق والتوتر والاكتئاب.. ومن جانب آخر، فإن انخراط الأشخاص بالنشاط الذهني الخاص بالحنين إلى الأيام الخوالي، قد يكون متعمداً، عبر اختيار التفكير في ذكريات سعيدة مرت بنا؛ وتساعدنا في ذلك محفزات حسية، كالصور أو الروائح أو الأصوات، التي تفتح أمامنا أبواب الانغماس الكلي في النوستالجيا.

 

لكن هذه الدراسات والأبحاث تشدد على أن التوق إلى الماضي هو أمر عادي جداً، وأنه متناقل من جيل إلى آخر، فالكل يعتقد أن العقود السابقة أفضل من الزمن الحالي، هناك من يرى أن الأربعينيات أفضل من الخمسينيات، أو أن الستينيات أفضل من الثمانينينات.. بالنسبة إليّ، الثمانينيات هي السنوات الأفضل في تاريخ حياتي، من جوانب عديدة، فيما أرى أن الستينيات والسبعينيات هما أفضل عقدين في حياة البشرية خلال العصر الحديث.. القائمون على تلك الدراسات يرون أن النوستالجيا، وبالرغم من كونها جزء من الطبيعة البشرية، فإنها مجرد وهم، إذ إن ظروف الماضي، من جوانب عديدة، لم تكن يوماً أفضل مما هي عليه الآن؛ والحديث هنا يشمل الخدمات الطبية، التي لم تكن في أفضل حالاتها قبل اليوم، والاتصالات الهاتفية وتلك المرتبطة بخدمات الإنترنت، والمواصلات بكافة أشكالها، والتعليم، ووسائل الترفيه، وغيرها الكثير.

 

لكن مع التغير الكبير في حياتنا، والذي بدأ العام الماضي (عام الظلمة والظلام؛ 2020) ولا يزال جاثماً على صدورنا، ويبدو أنه سيبقى مصاحباً لأيامنا خلال الأشهر القادمة، فإن علينا أن نقر بأن الماضي أفضل من الحاضر وقد يكون أفضل أيضاً من المستقبل.

ما شهدناه خلال الأشهر الماضية جاء فعلاً من روايات الخيال العلمي، التي كنا نقرأها في الكتب أو نتابع أحداثها وشخوصها في أفلام سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية.. في فترة زمنية قصيرة جداً، خسرنا الكثير؛ حرية حركتنا، في المدينة التي نقطنها أو في تنقلاتنا بين الدول، حياتنا الاجتماعية، عاداتنا اليومية، مظهرنا وملابسنا، طريقة قيامنا بمهماتنا في العمل.. حتى أننا بتنا نخشى من بعضنا البعض، كلنا يحاول أن يبتعد عن الآخر، حتى لا تنتقل إليه العدوى من صديقه أو قريبه أو زميله في العمل.. فجأة، أصبح عدم زيارة الأب والأم أمراً محموداً، فأنت بذلك تحمي والديك من العدوى التي قد تكون أنت ناقلاً لها.. فجأة، أصبح إخفاء وجوهنا هو الأمر المقبول، بعد أن كان من المطلوب أمنيا واجتماعياً أن تعرّف من أمامك بهويتك وتعرب له عن سعادتك بالحديث إليه أو إليها عبر رسم ابتسامة على وجهك.. فجأة، أصبحت رؤية شخص مريض في الشارع مثلاً، أمراً يتطلب ابتعادك عنه، بدلاً من مساعدته وطلب العون له من الآخرين.. فجأة، أصبح ابتعادنا عن بعضنا فضيلة.

قد أكون مخطئاً، لكني أشعر بحنين قوي إلى ما قبل 2020.. هل ترون فعلاً أن النوستالجيا مجرد وهم؟


Saturday, December 26, 2020

الخير والشر.. من زاوية أخرى

لطالما كان الصراع بين الخير والشر أساساً أو محوراً رئيسياً للعديد من الأساطير والقصص وأعمال الأدب والفن، بكل أشكاله، وفي الأحداث التاريخية وتلك المرتبطة بالفكر الديني.. لا بد من وجود النور لكي يقضي على الظلام، لا بد من وجود الجمال لكي نميزه ونفضله على الدَّمامَة، لا بد من وجود السلام لكي يحل محل الحرب.

في الأساطير النوردية، كبير الآلهة أودين يقتل على يد الذئب فنرير ابن الإله لوكي، في الميثولوجيا الإغريقية، إيريس إلهة الخلاف والنزاع، غضبت لعدم دعوتها لحضور حفل زفاف بليوس وثتيس فتسببت في نهاية المطاف باندلاع حرب طروادة، في الروايات السومرية، كانت إنانا إلهة بلاد الرافدين، حاكمة العالم والأحياء، والتي ارتبط وجودها بالحب والجمال والجنس، فيما كانت ارشكيجال إلهة العالم السفلي أو عالم الأموات، وفي الأساطير المصرية، هناك ست، إله الظلام والفوضى، الذي قتل وشوه اخاه أوزوريس، وهناك تحوت إله الحكمة والمعرفة.

في القصص الدينية، هناك الشيطان، أو إبليس، وهو الشر الخالص، بطل الظلام والكراهية وكل الأوصاف السلبية بلا منازع.. في تلك الروايات، كانت الأفعى أساس قصة طرد آدم وحواء من الجنة، وكان وجود الفرعون نقطة مركزية في قصة النبي موسى، وكان رئيس كهنة اليهود قيافا أو بيلاطس البنطي أو يهوذا الشرير عنصراً مهماً في قصة المسيح، وكان أبو جهل ملكاً للظلام والظلم في قصة النبي محمد.

في الأحداث التاريخية، ربما يكون هتلر هو النموذج الأوضح للشخصية الشريرة القاتمة عديمة الرحمة في الحروب التي شهدتها البشرية، هناك أيضاً موسوليني وهولاكو وفلاد الثالث المخوزق وبول بوت وإيفان الرهيب.

في الأفلام، وفي قصص الأطفال، هناك دائماً الشرير في مواجهة الخيّر، قاتل الأبرياء في مواجهة من يوفر لهم الحماية، الوحش المفترس في مواجهة البطل الذي يتصدى له، الغازي القادم من الفضاء في مواجهة الأبطال البشر المدافعين عن الأرض.

لكن عند التفكير في الحقيقة، علينا الإقرار بأن الأمر ليس بهذه البساطة، لا يمكن وصف شخص بأنه الشرير المطلق في أي قصة، هناك دائماً الزاوية الأخرى ووجهة النظر من الجانب الآخر؛ هناك القصة التي يرويها الأشخاص من الجهة المقابلة، والتي عادة لا تصل إلى أحد، فالتاريخ يروي قصص المنتصرين فقط.

عند الحديث عن القصص الدينية، ألم يكن أولئك "الأشرار" يدافعون عن معتقداتهم ومعتقدات آبائهم وأجدادهم؟ ألم يكن دور الأفعى هو فعلاً العمل على غواية حواء لمعصية الرب؟ ألم يكن رئيس كهنة اليهود قيافا ينتصر لدينه في مواجهة شخص يدعو الناس إلى دين جديد؟

إذا استثنينا من الأمر المختلين نفسياً (Psychopaths)، مثل هتلر، ألا نرى أنفسنا في مواجهة الواقع ذاته؟ ألم يكن هولاكو حاكماً يعمل على خدمة مصالح شعبه عبر توسعة الإمبراطورية المغولية؟ ألم يخض إيفان الرابع حروباً دموية أسفرت عن اتساع أراضي روسيا ليجعلها إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف؟

من غير الممكن أن نقسم العالم إلى قسمين، أبيض وأسود، نور وظلام، عدل وظلم؛ إذ إن لكل قصة جانبين، لا يوجد من يقم بالتفاخر بأنه الشرير إلا في قصص عالم "دي سي" (DC Universe)، حيث توجد شخصيات هدفها قتل الأبرياء ونشر الدمار والخوف والفوضى، من دون أي تفسيرات إضافية أو معانٍ خفية، فيما يأتي سوبرمان أو الرجل الوطواط للتصدي لهؤلاء وإنقاذ البشرية.. أما في الحياة، فهناك زوايا عديدة ووجهات نظر مختلفة وآراء، تخلق للواقع ألواناً كثيرة، ولكل لون ظلال عديدة ودرجات متفاوتة.

Friday, October 2, 2020

ليس مثل كل يوم - 3


يصل سامي إلى الجانب الآخر من الشارع، ويقف أمام مبنى كبير مدخله وراء سلالم رخامية.. ينظر إلى المدخل، ويفكر بصوت عال: "لم لا؟ لا يوجد ما يمنعني من الدخول.. سأحل مشكلاتي.. لم لا استغل هذا الوضع! لن يتضرر أحد، لا يوجد أحد ليتضرر مما سأفعل.. أنا الوحيد هنا".

يدخل إلى مبنى المصرف الأكبر في مدينته، يتحرك بخطى بطيئة في قاعته، ينظر في كل زاوية من زوايا المكان.. يتوجه نحو غرفة الخزنة، حيث المبالغ النقدية.. الباب مشرع، والخزنة مفتوحة والأموال أمامه كثيرة، بعملات مختلفة.. يبتسم، ويبدأ في البحث عن كيس أو حقيبة لكي يعبأها بالنقود، يجد حقيبة مشابهة لتلك التي فقدها في الشقة قبل قليل.. يأخذها ويبدأ في وضع الأموال فيها، ثم يضع بعضاً في جيوبه، يأخذ الكيس المستخدم لسلة القمامة ويقوم بملئه أيضاً.. ثم يغادر.

الفكرة الوحيدة التي تدور في ذهنه الآن هي ضرورة الوصول إلى زوجته، ليبلغها بالخبر السار، الآن لديهما ما يحل كل المشكلات، ويجلب السعادة مجدداً إلى حياتهما، لا خوف من الغد، ولا قلق من تلقي مكالمة هاتفية من الدائنين، ولا تعليقات سخيفة أخرى من عائلة منى.. بهذه الأموال، سيتحررا من كل قيد، وسيتمكنان من العيش براحة واطمئنان.. لكن هل ستكون منى في البيت بانتظاره؟ لماذا لا تكون قد اختفت، كما حصل مع كل الآخرين؟ ماذا لو لم يجدها أو يجد ابنه وابنته؟ ما فائدة هذه الأموال إذن؟

يسارع إلى الخروج، يجب أن يصل إلى بيته.. بأي ثمن.. يحاول فتح إحدى السيارات على جانب الطريق، واحدة تلو أخرى، حتى يجد باب إحداها مفتوحاً، يركب ويبحث عن المفتاح، يجده في قفل السيارة، وكأن شخصاً كان يهم بالتحرك، قبل وقوع ما حدث.. يشغل السيارة، ويقودها باتجاه البيت.. تتسارع دقات قلبه، فبوصوله إلى المنزل، هو على ثقة من أن كل شيء سينتهي ويعود إلى طبيعته..

أخيراً، وصل.. يخرج من السيارة حاملاً ما جلبه من البنك، وينطلق نحو شقته.. يصل، ويفتح الباب.. ويدخل.. ينظر حوله، ويدور في أرجاء المكان.. "هذا ليس بيتي، هذا بيت آخر.. لا، إنه ليس منزلاً، إنه شيء آخر.. يبدو كعيادة أو.. مستشفى".. يتوجه نحو باب بعيد في آخر القاعة، يبدو وراءه نور متوهج.. يفتح الباب ببطء؛ يشعر بخوف شديد، فهو لا يعرف ما يوجد وراء ذلك الباب.. وكلما فتحه أكثر كلما اشتد توهج النور، حتى بات غير قادر على الرؤية أو حتى فتح عينيه.. يشعر بحرارة شديدة تغمره من كل جانب.

يحاول فتح عينيه مجدداً، بالكاد يرى وجوهاً تنظر إليه عن قرب.. "من أنتم؟" يسأل بصوت خافت، حتى تبدأ الصورة في الظهور أمامه؛ هو ممدد على سرير في مستشفى، وزوجته وطفلاه أمامه، ينظرون إليه والدموع في عيونهم.. تقبله زوجته، وتقول له: "أخيراً، عدت إلينا."

-"عدت من أين؟"

-"لقد تعرضت لحادث سير قبل شهر، وكنت في غيبوبة منذ ذلك الوقت".

-"حادث سير؟"

-"نعم، لكن الحمد لله، أنت الآن بخير، عدت لكي تبقى معنا إلى الأبد".

يفكر سامي فيما حدث، وفي المدينة التي تجول في شوارعها، وفي الشقة التي زارها، هو يتذكر كل شيء بدقائقه وأصغر تفاصيله.. الشعور بالوحدة والخوف، كان حقيقياً.. "لا، كانت مجرد هلوسات خلال وجودي في الغيبوبة" يقول لنفسه.. الآن، عاد إلى أسرته.. وإلى واقعه.

بعد أيام قليلة، يغادر المستشفى مع زوجته.. ويصل إلى بيته، يحتضن ابنه وابنته، ويتوجه إلى غرفة نومه.. يتوجه بسؤال إلى منى: "ماذا حل بحقيبتي؟" تتوجه إلى جانب السرير، وتجلبها إليه.. "ها هي".. تقول له، "لكن، لم أفهم حتى الآن، من أين جاءت كل هذه النقود، التي كانت بداخلها؟"

ينظر إليها وعلامات التعجب والدهشة بادية عليه.. "نقود؟ أي نقود؟"

 

انتهى

Saturday, September 12, 2020

ليس مثل كل يوم - 2

 


أثناء سيره في طريق العودة، تتوارد الأفكار على ذهن سامي، تتدفق كفيضان عارم، "أين الجميع؟" ينظر في كل الاتجاهات، لا يرى أحداَ، يتوجه إلى مقهى مفتوح تفوح منه رائحة القهوة، يدخل، يدور بين الطاولات الصغيرة، هناك فنجان قهوة ساخنة على المنضدة، يقترب منه، يتناوله ويتذوق القهوة.. يعيد الفنجان إلى مكانه، ويغادر، عاجزاً عن الفهم أو حتى محاولة تفسير ما يراه، أو بالأحرى، ما لا يراه في هذا المشهد الغريب الماثل أمام عينيه.


يعود إلى مسيره، وفي كل دقيقة، يخرج هاتفه من جيبه، ويحاول الاتصال بزوجته؛ ثم يعيده.. لا فائدة.

وخلال تحركه، يبدو أن الطريق تتحرك تحت قدميه ببطء شديد، بطء يجعله يحاول الهرولة تارة والجري تارة أخرى، يشعر بالإرهاق بسرعة وكأنه قطع مسافات شاسعة، رغم أنه لم يتحرك إلا بضعة أمتار.. يتوقف إلى جانب الشارع، ينظر إلى نوافذ المنازل المحيطة، إلى السيارات المتوقفة على جانبيه، يجلس على الرصيف، يغلق عينيه، أملاً في أن يتغير كل شيء عندما يفتحهما مجدداً، لكن الوضع باق على حاله.


ينهض ويعود إلى المشي، يخلع سترته، فالحر شديد، والسماء صافية لا سحب فيها على الإطلاق، وحدها حرارة نور الشمس الساطع، توجه ضرباتها إلى رأس سامي، يتعرق ويشعر بدوار شديد، يبحث عن مكان يستظل به، يدخل في إحدى البنايات، ويجلس على درجات السلم، يصرخ: "مااااا هذاااااا؟ ما الذي يحدث اليوم؟" في تلك اللحظة، يسمع صوت حركة في الشقة على يمينه، يقف ويتوجه إلى بابها، يقرع الجرس، يدق الباب، يكرر المحاولة، لا يجيبه أحد، ولا يفتح له الباب أحد.. لكنه يشعر بوجود شخص ما، أو شيء ما في الشقة.. يحاول اقتحام المنزل بفتح الباب عنوة، وبكل قوته، ينجح في دخول الشقة.. يبدأ في البحث في أرجائها، يدخل إلى غرفة النوم، يجد رجلاً جالساً على طرف السرير، وقد بدت عليه علامات الخوف، والدهشة، لرؤية صديقنا، الذي يتوجه إليه ويسأله: "من أنت؟ أين الباقون؟ لماذا باتت المدينة مدينة أشباح؟" تأتيه الإجابة من شخص يرتجف جسده رعباً: "لا أعرف، أفقت من نومي هذا الصباح لأجد نفسي وحيداً، زوجتي وأولادي وكل شخص أعرفه، كلهم اختفوا.. من أنت؟ من أين أتيت؟"، يتحدث ورعشة صوته تشي بذعر عميق يشعر به.. يجيبه: "أنا؟ اسمي سامي، خرجت من بيتي هذا الصباح.. خرجت، كما في كل صباح، إلى عملي.. لكن، ليس هناك من بشر.. بحثت في كل مكان.. أين ذهبوا؟" يخيم الصمت.. والرجلان ينظران إلى بعضهما بتوجس، لا يثق أي منهما بالآخر، مع أنهما يعيشان في نفس الواقع الغريب، الذي يصعب تفسيره أو حتى وصفه.
يسأل سامي: "هل يمكنني شرب بعض الماء من مطبخك؟"

يومئ الرجل برأسه إيجاباً.. يتوجها معا إلى المطبخ، يخرج زجاجة من الثلاجة ويقدمها إلى سامي، يشرب منها ويعيدها إلى الثلاجة.. 
-"
هل نخرج معاً؟ قد يكون هناك آخرون".. يقول سامي؛
-"
لا، أنا باق هنا.. ماذا لو عادوا؟ يجب أن أكون في انتظارهم."
-"
كما تريد.. أنا سأواصل المسير.. يجب أن أعود إلى بيتي.. منى في انتظاري، بالتأكيد هي خائفة الآن".
يتوجه إلى الباب، ينظر خلفه.. "آسف على اقتحام منزلك".. ويغادر.. يصل إلى الشارع مجدداً، ثم يتذكر، لقد ترك حقيبته في الشقة، يعود مسرعاً.. ليجد الباب الذي كسر قفله قبل قليل، موصداً، وكأن شيئاً لم يكن.. يحاول مجدداً فتح الباب، يقرر اقتحامه، ويتمكن مجدداً من الدخول.. لكن في هذه المرة، الشقة فارغة تماماً.. أما حقيبته، فلا وجود لها.. يتوجه إلى الثلاجة، ليعثر فيها على الزجاجة مغلقة لم تُفتح.. يهز رأسه، يلقي نظرة على المكان، ثم يغادر.


يجلس عند مدخل المبنى.. يستعيد ذكريات الأسبوع الماضي.. حديث تحول إلى نقاش محتدم مع زوجته، عن وضعهما المالي.. ديون كثيرة، بعضها للبنوك، والبعض الآخر لوالديها.. وتكاليف المعيشة وأقساط المنزل ورسوم المدرسة الأجنبية لابنيهما.. تقول له إن عمله لا آفاق تطور له في المستقبل، وتطلب منه البحث عن وظيفة جديدة، يجيبها بحدة، أنه حاول ويحاول، لكنه لم يتمكن حتى الآن من العثور على أي فرصة أفضل، تقول له إنه لا يبحث بجدية.. وإن الأمر سينتهي إلى كارثة، إن لم يفعل شيئاً وبسرعة.


يعود سامي إلى يومه الغريب.. وينظر إلى الجانب المقابل من الشارع.. يبتسم.. ثم ينهض، ويبدأ في التوجه إلى الجانب الآخر.

يتبع...

When AI Predicts a Crime Before It Happens

AI can now detect signs of violent intent before violence occurs. That may save lives, but it also raises an unsettling question: when does ...