الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

قصص الطوفان


يعـتقـد الكـثـيرون أن قـصة الطـوفان وسـفـينة نـوح وصـلتنـا فـقـط عـن طـريق الروايات الديـنية والكـتب المقـدسـة للديانات السـماوية الثـلاث؛ إلا أن الحـقـيقة هـي أن القصـة مـصدرها أسـاطـير سـبقت ظـهـور أي مـن تـلك الديانات... وفي الواقع، تشـير مـعـظم تلك الأسـاطـير إلى أنه بالفـعل كان هـناك طـوفان، لكـن الشـيطان يكـمن في التفـاصـيل... لمعـرفـة المزيـد، تـتـواصـل الأبحـاث العـلمية في مجـالات الآثـار والتـاريخ وحـتى الجـيولوجـيا لتحـديد أصـل هـذه القصـة ومصـدرهـا الحـقـيقي وظـروف ظـهـورها عـلى مـر العـصـور في ثـقافـات عـدة.

ملخص القصة: بعض البشر في زمن نوح كانوا ظالمين وتولوا عن عبادة الإله الواحد واستغنوا عنه، فغضب الإله عليهم وقرر الانتقام من البشرية جمعاء بإرسال طـوفان عـظيم يدمر كل شيء ويزيلها عن ظهر الكوكـب باسـتـثناء نوح نفسـه وعـدد من الأفـراد الذين آمـنوا برسالته... الإله أمر نوح ببنـاء سـفـينة كـبيرة تحـمله وتحـميه ومن معه إضـافة إلى زوجـين من كـل نوع حـيواني حـتى تـنحسر المـياه ويبدأ هـو وأتبـاعـه بإعـمار الأرض من جـديد.
اليوم، وبعد لحـظة من السعـادة الكـبرى التي جـاءت بعـد اكتـشافات عـالم الآثار البريطاني ليونارد وولي في مـدينة أور (العـراق) والتي اعـتقد البعض أنهـا تؤكـد حـدوث طوفان عـظـيم ربطـوه عـلى الفـور بالرواية الدينـية الخـاصة بسـفيـنة نوح، بعد تلك اللحـظة جـاءت البراهين العـلمية التي كان آخـرها الدلائل التي توصل إليها الجيولوجيان ويليام رايان ووالتر بيتمان والتي تؤكـد أن ما حـدث في تلك المنطقة جاء نتيجـة ارتفاع كـبير في منسـوب مياه البحـر الأسـود الذي وصـلته مياه من البحر المتوسط مروراً بمضيق البوسفـور، وذلك بحـدود العـام 5600 قـبل الميلاد... ووفـقاً للعـالمين، كل أسـاطير الطـوفان ما هي إلا السجل الجماعي الذي تمت كتابته حول تلك الكارثة الطـبيعية التي طُـبعت رعباً في ذاكرة الثقافات على مر الألفيات... لكن رغم ذلك، هناك الكثير من الادعاءات حول اكتشاف بقايا "سـفن" نوح في مناطق مختلفة مـن تركيا، أرمينيا، إيران وغـيرها في محـيط المنطقة ذاتها.

اللوحـة إلى اليسار تظـهر، وفـق الرواية الدينية، الآثـمـين الذين لم يصـدقوا نـوح بعـد تواصل هـطـول الأمطـار
وتشـكل الطـوفان الذي حـمل سـفـينة نوح بمن فـيها إلى النجـاة... الفسـيفساء إلى اليمين موجـودة في كنيسة
سان ماركـو بمدينة البندقية (فيـنيسـيا) شمالي إيطاليا، وتظـهر نوح وهـو يرسـل حـمامة بيضـاء لمعـرفة ما إذا
كانت قـد ظـهرت يابسـة في مكـان مـا مـن الأرض.


مصادر المعلومات وتعـددها
الوثـيقة الأقـدم المتوفرة لدينا Sumerian Eridu مـحـفوظة في متحـف بنسلفانيا وهـي باللغة السـومرية وتعـود للقرن الثاني والعشرين قـبل الميلاد، وتروي كـيف نصـح الإله إنكي الملكَ زيوسودرا ببناء قارب لإنقاذ عائـلته من الطوفان... اكتشـافها تم في العـام 1895 في مدينة نيبور (العـراق)... في الفـترة التالية لكـتابة الوثيقة دخـلت شـعـوب سامـية تلك المنطقة فـحـدثت تغـيرات عـلى اللغة لتصبح فيما بعـد الأكـدية (الأشـورية-البابلية)... في تلك الفـترة، كـتبت وثـيقة أخـرى؛ عـبارة عـن قصـيدة من 1245 بيتـاً تحـمل اسـم بطـلها؛ أترا-خـاسـيس (Atra-hasis)... هـذا الإسـم يعـني "الحـكـيم الكـبير"، الذي يسـاعـده إلهـه عـلى النجـاة مـن الطـوفان... هـذه الوثـيقة محـفـوظـة في المتحـف البريطاني.
نصـل بعـد ذلك إلى الوثـيقة الأكـثر شـهـرة في تاريخ بلاد الرافـدين؛ ملحـمة غـلغامش، والتي حـفرت على لوح طـيني تم العثور عليه عـام 1853 ضـمن مكـتبة الملك أشـوربانـيبال في نينوى بالعراق، إلا أنهـا تعـود لعصـر سـابق؛ ما بين القرنين الرابع عـشر والثالث عـشر قـبل الميلاد... في القصـيدة، يروي مؤلفها "شين إيقي أونيني" حـكاية غـلغامش كـلهـا في عـمل أدبي متكامل تدور فكرته حول البحث عـن الخلود ويـنـقـل أعمال ملك أوروك مع إنكـيدو وموت إنكـيدو وقصـة الطـوفان... وهـنا الإله إيا (أو إنكي بالسـومرية) يحـذر الرجـل الصالح أوتنابيشـتين من الكارثة ويطـلب منه بنـاء قارب ينـقـذ الأحـياء.
الباحـثون يؤكـدون أن أسـس رواية الفيضـان المذكـورة في ملحـمة غـلغـامش تـتطابق مع تـلك في قصـيدة أترا-خـاسـيس، مـا يعـني أن هـناك من نـقل عـن الآخـر، أو أن يكـون للوثـيقـتين مصـدر أقـدم منهـما ذكـر تـفاصـيل الحـكاية.
لكـن هـناك كـذلك وثائق تاريخـية حـول الموضوع ذاتـه ظـهـرت بعـيدة عـما ذكرناه سـابقاً؛ بعـيدة مكـانياً وزمـانـياً... مكانياً، هـناك لوح أوغـاريت؛ وهـي مـديـنة أثـرية تقع عـلى مسافة 12 كـيولومتراً شمال مدينة اللاذقـية السورية وتـطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط... اللوح يعـود للقرن الثالث عـشر قـبل الميلاد.
أما زمانـياً، فـهـناك الرواية المذكـورة في الكـتب المقدسة للأديان السماوية... وفيها نجـد اخـتلافات في بعض التفاصـيل؛ إلا أن المسـار العـام للأحـداث هـو ذاتـه لا يتغـير... وكذلك نجـد رابطـاً واضـحاً بين روايات الكـتب المقدسة وتلك التي وصـلتنا من نصـوص بلاد الرافدين: السـفـينة، الحـيوانات التي يتم إنـقاذها، الطـيور التي يتم إرسالها للتأكد من انتهاء الطوفان وغـيرها.
آخـر الوثائق الخـاصة بقـصة الطوفان تأتـينا من كاهن بابلي اسـمه بيروسوس في القرن الثالث قبل الميلاد... النص الأصـلي ضـاع ولم يتم العـثور عـليه، إلا أن ما وصـلنا كـان أجـزاء منه نـقلهـا أشـخـاص في عـهود لاحـقة.

تمـثال يظـهر غـلغـامش؛ ملك مديـنة أوروك السامـرية وفي يده أسـد... التمـثال محـفـوظ في متحـف اللوفـر بباريس.


أين هـي السـفـينة؟
المعلومات التي تـقدم لنا إجـابة عـن هـذا السؤال تـأتـينا من أربعة مصـادر رئيسية... الأحـدث هـو الـقـرآن الذي يحـدد مكان رسو سـفينة نوح عـند جـبل الجـودي (أو Cudi Dagh) جـنوب شـرقـي تركيا قرب الحـدود العراقية السـورية... المـصدر الثـاني هـو وثـيقة بيروسوس التي تـحـدد الموقـع عـند سـلسلة جـبال الأكـراد في أرمينيا (التي من المحـتمل أنها لا تمثل الدولة التي تحـمل ذلك الاسم اليوم)... ثم هـناك العـهـد القـديم الذي يحـدد المكـان بمنطـقة جـبال آرارات التي يـقـع أعـلاهـا عـلى بعـد 200 كـيلومـتر شـمال الجـودي... والوثـيقة الأقـدم بالطـبع هـي ملحـمة غـلغامش التي تحـدد اسم الجـبل الذي رسـت عـنده سـفـينة نـوح؛ نيسـير (أو نيموش وفق قراءة أخـرى)... ما سـاعـد العـلماء في تحـديد هـوية هـذا الجـبل اليوم هـو نص مـنقول عـن الملك الآشـوري آشـورناسـيبال والذي يدور الحـديث فيه عـن أحـد انتصاراته؛ وما يعـتقده المخـتصون أن الجـبل هـو جبل بيره مكرون في محـيط مديـنة السليمانية شمال شـرقي العـراق... ما تـبقى قوله هـو أن كل ما تـتـناقله بعض مواقع الإنترنت (الدينية منها على وجه الخصوص) حول اكتشاف بقايا للسفينة في أي من المواقع المذكورة عار تماماً عن الصحة ومرفوض بشكل كامل من قبل الوسط العلمي.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق