السبت، 17 أغسطس 2013

The Last Question - in Arabic

السؤال الأخير

إسحاق آسيموف




ترجمة: إياد أبو عوض


السؤال الأخير تم طرحه للمرة الأولى، على سبيل الدعابة، في الحادي والعشرين من مايو 2061، في لحظة كانت فيها الإنسانية قد بدأت أخيراً في رؤية النور.. السؤال جاء نتيجة رهان تم على خمسة دولارات بعد جلسة لتناول المشروب، وهكذا سار الأمر:

أليكساندر أديل وبيرترام لوبوف كانا مساعدين مخلصين يعملان على نظام ملتيفاك Multivac .. وهما كانا يعرفان، كما كان أي إنسان يعرف، --- ما الذي كان موجوداً خلف الوجه البارد والعملاق للحاسوب الذي صدرت عنه ومضات وطقطقات.. وجه طوله كيلومترات وكيلومترات.. كان لديهما على الأقل فكرة مبهمة بعض الشيء حول المخطط العام للمراحل والدوائر في هذا الكمبيوتر، والتي تجاوزت منذ فترة الحد الأقصى الذي يمكن لعقل بشري واحد أن يحفظ عملها بصورة كاملة.

ملتيفاك كان يقوم بتنظيم عمله بصورة ذاتية.. كان يجب أن يكون الأمر كذلك، لأنه لا يوجد أي كائن بشري قادر على ضبطه وتصحيح عمله بالسرعة والشكل المطلوبين.. وهكذا، كان أديل ولوبوف يسهران على متابعة العملاق الحاسوبي بطريقة بسيطة وسطحية، وفي الوقت ذاته بطريقة لم يكن من الممكن أن يؤديها أي إنسان آخر بشكل أفضل... كانا يُدخلان المعلومات، يهيئان الأسئلة وفق حاجة الحاسوب، وكانا يقومان بترجمة الإجابات التي كان يقدمها... من دون شك، جزء كبير من المجد الذي حصل عليه ملتيفاك كان بفضلهما وفضل زملائهما.

لعقود، ملتيفاك ساعد، إن صح القول، في تصميم المركبات الفضائية وعلى حساب المسارات التي سمحت للبشر بالوصول إلى القمر والمريخ والزهرة... إلا أن المصادر المحدودة على الأرض لم تكن تسمح للمركبات بخوض الرحلة الخاصة بالوصول إلى ما هو أبعد من تلك الأجرام... الكثير جداً من الطاقة كان مطلوباً للرحلات الطويلة.. والأرض كانت تستهلك احتياطياتها من الكربون واليورانيوم بشكل متصاعد، إلا أن تلك الاحتياطيات بحد ذاتها كانت محدودة.

ببطء، رغم ذلك، تعلّم ملتيفاك ما يكفيه للإجابة بصورة أساسية عن الأسئلة الأكثر عمقاً، وفي 14 مايو 2061، تحول ما كان مجرد نظرية إلى حقيقة مادية.

الآن يمكن تخزين طاقة الشمس، تحويلها واستعمالها مباشرة، على مستوى الكواكب.. أصبح ممكناً للأرض برمتها إطفاء الأنوار التي يتم تغذيتها بالكربون ومفاعلاته النووية، وفتح القاطع الذي يوصل كل شيء بمحطة صغيرة، قطرها كيلومتر ونصف، في مدار حول الأرض على مسافة تعادل نصف تلك التي تفصلنا عن القمر... على الأرض، كل شيء يعمل الآن بفضل الأشعة الخفية للطاقة الشمسية.

سبعة أيام لم تكن كافية للتعتيم على عظمة الحدث، إلا أن أديل ولوبوف تمكنا أخيراً من الفرار من الوظائف العامة والالتجاء إلى السلام والهدوء حيث لا يمكن لأحد العثور عليهما، في الصالات التحت أرضية المهجورة التي يمكن فيها رؤية أجزاء من "الجسد" العظيم الخاص بملتيفاك.

أحضرا معهما زجاجة، وهمهما الوحيد، في هذه اللحظة، هو الاسترخاء بصحبة بعضهما وبصحبة الزجاجة..
«إنه أمر يصعب تصديقه ، إن فكرت جيداً» قال آديل.. كانت بادية على وجهه علامات التعب، وكان يحرك في يده كأس المشروب باستخدام مصاصة (أو قصبة) زجاجية ويراقب مكعبات الثلج أثناء تحركها... «كل الطاقة التي يمكن أن نتمنى استخدامها، مجانية بالكامل.. طاقة كافية، إذا قررنا إهدارها، لتحويل الأرض إلى قطرة من الحديد السائل الملوث، حتى من دون الحاجة إلى خرق الاحتياطي الكلي.. كل الطاقة التي يمكننا استخدامها، باختصار، إلى الأبد، إلى الأبد ثم إلى الأبد».

حرك لوبوف رأسه إلى اليمين وإلى اليسار.. كان أسلوبه عندما يريد إظهار اعتراضه، وقد أراد الاعتراض الآن، جزئياً لأنه كان عليه حمل الثلج والكؤوس.. «ليس إلى الأبد،» قال.
«نعم، تقريباً إلى الأبد.. حتى تنتهي الشمس، يا بيرت».
«هذا ليس إلى الأبد».
«حسناً إذاً.. مليارات ومليارات السنين... ربما، عشرة مليارات... هل هذا يرضيك؟»
مرر لوبوف أصابعه خلال شعره الرقيق كما لو كان يطمئن نفسه إلى أن بعض الشعر لا يزال موجوداً، ورشف من كأسه.
«عشرة مليارات سنة ليست إلى الأبد».
«حسناً، هي ستستمر خلال حياتنا، صحيح؟»
«وكذلك الفحم واليورانيوم».
«حسناً، لكن يمكننا الآن وصل كل مركبة بالمحطة الشمسية، ويمكنها الذهاب إلى بلوتو والعودة منه مليون مرة من دون القلق بشأن الوقود.. لا يمكنك فعل ذلك بالاعتماد على الفحم واليورانيوم.. اسأل ملتيفاك، إن كنت لا تصدقني».
«لست بحاجة إلى سؤال ملتيفاك.. أنا أعرف ذلك».
«إذاً توقف عن الاستخفاف بما فعله ملتيفاك من أجلنا» قال آديل بحرقة،  «لقد فعل شيئاً جيداً».
«من يقول إنه لم يفعل؟ ما أقوله هو أن الشمس لن تدوم إلى الأبد.. هذا كل ما قلته.. نحن بأمان لعشرة مليارات سنة، لكن ماذا بعد ذلك؟» وجه لوبوف إصبعه المرتعش نحو زميله قائلاً: «ولا تقل إننا سننتقل لاستخدام شمس أخرى».
سادت حالة من الصمت لبعض الوقت.. أوصل آديل كأسه إلى شفتيه بين حين وآخر، في حين كانت عينا لوبوف تغلقان ببطء.. كان كل منهما يحصل على قسط من الراحة.
ثم فتح لوبوف عينيه فجأة.. «أنت تفكر في الانتقال لاستخدام شمس أخرى عندما ينتهي عمر شمسنا، صحيح؟»
«لست أفكر في شيء».

«بالطبع أنت تفكر... أنت ضعيف في المنطق، هذه مشكلتك.. أنت مثل الرجل في تلك القصة، الذي وجد نفسه تحت أمطار غزيرة مفاجئة، فركض باتجاه بستان من الأشجار ووقف تحت إحداها... لم يقلق، أتفهم!، لأنه اعتقد أنه عندما تبتل الشجرة ويبدأ ماء الأمطار في اختراق أوراقها والوصول إليه، فإنه سينتقل إلى شجرة أخرى».
«فهمت،» قال آديل. «لا تصرخ.. عندما تنتهي الشمس، ستكون كل النجوم قد انتهت كذلك».

«بالتأكيد ستكون قد انتهت،»  تمتم لوبوف.. «لكل شيء كانت هناك بداية في الانفجار الكوني الأصلي، بغض النظر عما كان ذلك الانفجار، وسوف يكون لكل شيء نهاية عندما يصل عمر النجوم إلى آخره.. بعضها ينتهي عمره بشكل أسرع من غيره.. النجوم العملاقة لا تبقى أكثر من مئة مليون عام.. الشمس، لنفترض، ستستمر عشرة مليارات عام، والنجوم القزمة ربما ستبقى مئتي مليار عام، حسبما تقدر على الاستمرار. لكن دع تريليون عام يمر وسيكون شيء مظلم.. الإنتروبيا* يجب أن تزداد حتى الوصول إلى حدها الأقصى، هذا كل ما في الأمر».

«أعرف كل ما يجب معرفته عن الإنتروبيا،»  قال آديل مدافعاً عن كرامته.
«طبعاً أنت تعرف».
«ما أعرفه يعادل ما تعرفه أنت».
«إذاً أنت تعرف أن كل شيء سينتهي في يوم ما».
«من قال إنه لن ينتهي؟»
«أنت قلت ذلك، يا مسكين.. قلت إن لدينا كل الطاقة التي سوف نحتاجها، إلى الأبد. أنت قلت 'إلى الأبد'».
الدور الآن أصبح دور آديل ليعترض.. «ربما سنتمكن من إعادة بناء الأشياء في يوم ما،» قال.
«أبداً لن نفعل».
«لم لا؟ في يوم ما».
«أبداً لن نفعل».
«اسأل ملتيفاك».
«أنت اسأل ملتيفاك.. أتحداك.. أراهنك بخمسة دولارات على أنه من غير الممكن فعل ما قلت».

آديل كان ثملاً بما يكفي لدفعه إلى محاولة ذلك، ورزين بما يكفي لصياغة الرموز والعمليات المطلوبة على صورة سؤال يمكن، إن كان مكتوباً بلغة بشرية، ترجمته إلى التالي: هل سيكون بإمكان الجنس البشري من دون إنفاق كامل الطاقة المتوفرة له من إعادة الشمس إلى شبابها التام حتى بعد موتها بسبب الشيخوخة؟
أو ربما يمكن صياغة السؤال بالشكل التالي: كيف يمكن وبشكل كبير جداً خفض الحد الأقصى من كم الإنتروبيا في الكون؟

ملتيفاك لم يتجاوب وبقي صامتاً.. ومض الأضواء توقف، وأصوات الطقطقة انتهت.
ثم، وفي الوقت الذي شعر فيه التقنيان أنهما لن يتمكنا من حبس أنفاسهما أكثر من ذلك، كان هناك ظهور مفاجئ لحياة الطابعة المبرقة الملحقة بذاك الجزء من ملتيفاك.. كلمات معدودة كانت مطبوعة:
معلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى.

«لا رهان إذاً،» همس لوبوف.. وغادرا على عجل.
بحلول الصباح التالي، الاثنان، وقد شعرا بصداع وجفاف فم، كانا قد نسيا الحدث بكامله.
 -------------------------------
جيرود، جيرودين، وجيروديت الأولى والثانية راقبوا على الإطار المصور (الشاشة) تغير المشهد النجمي مع إكمال المرور في الفضاء في فترة زوال زمنية.. بشكل موحد، الانتشار المنتظم للنجوم أفسح المجال ليتحول المشهد إلى هيمنة قرص مضيء ساطع واحد، بحجم كرة رخامية صغيرة، في مركز الشاشة.

«هذا هو إكس-23،» قال جيرود بثقة.. وقام بتشبيك يديه النحيفتين خلف ظهره حتى ظهر بياض مفاصل أصابعه.
الأختان جيروديت، ولأول مرة في حياتهما، عاشتا تجربة المرور السريع في الفضاء وكانتا واعيتين للشعور المؤقت الخاص بمغادرة الجسد.. قامتا بإخفاء قهقهتما وبدأتا في ملاحقة بعضهما البعض على نحو جامح حول أمهما وهما تصرخان، «لقد وصلنا إكس-23 – لقد وصلنا إكس-23 – لقد وصلنا --»
«هدوء، يا بنات.» قالت جيرودين بحدة.. «هل أنت متأكد يا جيرود؟»
«كيف يمكن ألا أكون متأكداً؟» سأل جيرود، وهو ينظر إلى أعلى باتجاه النتوء المعدني أسفل السقف.. كان يمر بطول الغرفة، ليختفي في الجدار بالاتجاهين.. كان بطول المركبة الفضائية.
جيرود كان يعرف القليل جداً عن القضيب المعدني السميك؛ باستثناء أن اسمه كان مايكروفاك، وأنه من الممكن توجيه أسئلة إليه إن اقتضت الحاجة؛ وأنه حتى لم يتم توجيه سؤال إليه، فإنه سيستمر في مهمته المتعلقة بقيادة المركبة إلى وجهة تم تحديدها مسبقاً؛ والمتعلقة بالتزود بالطاقة من المحطات الفرعية في المجرة، والمتعلقة بتنفيذ المعادلات الخاصة بالقفزات الفضائية.

كل ما كان مطلوباً من جيرود وأسرته هو الانتظار والحياة في مقر المعيشة المريح في المركبة.. أحدهم أخبر جيرود ذات مرة أن حرفي "أك" (AC) في نهاية اسم 'مايكروفاك' هما اختصار لكلمتي 'كمبيوتر آلي' في الإنجليزية القديمة، إلا أنه كان على وشك نسيان حتى هذا الأمر.
اغرورقت عينا جيرودين بالدموع وهي تنظر إلى الشاشة.. «لا أستطيع التحكم بأحاسيسي، مشاعري غريبة وأنا أرى أننا نغادر الأرض».
«لماذا، بحق السماء؟» سأل بإصرار جيرود.. «ليس لدينا شيء هناك.. سيكون لدينا كل شيء في إكس-23.. لن تكوني وحيدة، فأنت لن تكوني مستكشفة هناك؛ إذ يوجد أكثر من مليون شخص على الكوكب الآن.. يا إلهي، أحفاد أحفادنا سيتمكنون من البحث عن عوالم جديدة لأن إكس-23 سيصبح مكتظاً».. ثم، بعد انقطاع للتفكير، قال: «صدقيني، إنه لمن حظنا أن الكمبيوترات تمكنت من حل مشكلة السفر الفضائي بين النجوم، بالنظر إلى السرعة التي ينمو فيها الجنس البشري».
«أعرف، أعرف» أجابت جيرودين ببؤس.
جيروديت الأولى قالت على الفور: «المايكروفاك الموجود لدينا هو أفضل مايكروفاك في العالم».
«وأنا أعتقد ذلك أيضاً،» قال جيرود وهو يقوم بتشعيث شعرها.

كان شعوراً جيداً أن يكون لديك مايكروفاك خاص بك، وجيرود كان سعيداً لأنه كان من أبناء جيله، وليس أي جيل آخر.. في شباب والده، كانت الكمبيوترات أجهزة ضخمة تحتل مئات من الأميال المربعة من الأرض.. كان هناك واحد فقط لكل كوكب.. كان كل منها يسمى كمبيوتر كوكبي.. وكانت تنمو تدريجياً في حجمها لألف عام، ثم، وبشكل مفاجئ، جاء التطوير.. في مكان الترانزستورات، جاءت الصمامات الجزيئية؛ ما سمح بوضع حتى أكبر كمبيوتر كوكبي في مساحة تعادل نصف مساحة مركبة فضائية.

جيرود شعر بتحسن في حالته المعنوية، كما يشعر دائماً عندما يفكر في أن المايكروفاك الخاص به شخصياً معقد أكثر بمرات عديدة مقارنة بالمتليفاك القديم والبدائي الذي كان أول من تمكن من ترويض الشمس، وأنه معقد بنفس درجة تعقيد كمبيوتر كوكب الأرض (الأضخم) والذي كان الأول في حل مشكلة السفر في الفضاء وفي جعل الرحلات إلى النجوم ممكنة.
«نجوم كثيرة جداً، كواكب كثيرة جداً» تنهدت جيرودين، مشغولة بأفكارها، «أعتقد أن الأسر ستواصل الذهاب إلى كواكب جديدة إلى الأبد، كما نحن نفعل الآن».
«ليس إلى الأبد،» قال جيرود، مبتسماً.. «كل هذا سيتوقف يوماً ما، بعد مليارات السنين.. مليارات كثيرة.. حتى النجوم ستموت، كما تعرفين.. الإنتروبيا يجب أن تزداد».
«ما هي الإنتروبيا يا أبي؟» سألت جيروديت الثانية.
«الإنترونيا، يا صغيرتي الحلوة، مجرد كلمة تعني المقدار الكمي لاضمحلال الكون؛ أو انتهاء شحنه، تعرفين، كما هو الحال مع لعبتك الصغيرة للاتصال اللاسلكي، التي كانت على هيئة روبوت، أتذكرين؟»
«وألا يمكنك تركيب وحدة طاقة جديدة، كما كنت تفعل مع الروبوت الخاص بي؟»
«النجوم هي وحدات الطاقة، يا عزيزتي.. عندما تنتهي النجوم، لا يكون هناك أي وحدات طاقة أخرى».
جيروديت الأولى صاحت على الفور «لا تدعها، يا أبي.. لا تدع النجوم تنتهي».
«انظر ماذا فعلت،» همست جيرودين، بانزعاج.
«كيف كان لي أن أعرف أن ذلك سيخيفهما؟» همس جيرود.
«اسأل المايكروفاك،» تنهدت جيروديت الأولى.. «اسأله، كيف يمكننا إعادة النجوم إلى الحياة».
«هيا»، قالت جيرودين.. «سيهدئ ذلك من روعهما».. (جيروديت الثانية كذلك كانت على وشك البكاء)..
هز جيرود كتفيه.. «الآن، الآن، يا صغيرتي.. سأسأل مايكروفاك.. لا تقلقا، هو سيخبرنا».
سأل المايكروفاك، وأضاف بسرعة، «اطبع الإجابة».
قطع جيرود شريط الطباعة الخليوي وقال بسعادة «أتري؟ المايكروفاك قال بأنه سيهتم بكل شيء بنفسه عندما يحين الوقت، لذلك لا داعي للقلق».
جيرودين قالت «والآن، يا صغار، حان وقت النوم.. سنصل إلى بيتنا قريباً».
جيرود قرأ الكلمات على شريط الطباعة مرة أخرى قبل أن يتلفه:
معلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى.

هز كتفيه ونظر إلى الشاشة اللوحية.. كوكب إكس-23 كان أمامه تماماً.
-----------------------------------------------

في-جي-23-إكس من لاميث حدق في الأعماق السوداء ضمن الخريطة الثلاثية الأبعاد للمجرة، وقال: «ما رأيك، هل ترى أنه من السخف أن نقلق بهذا الشأن؟»
إم-كيو-17جي من نيكرون هز رأسه وقال: «لا أعتقد ذلك.. أنت تعرف أن المجرة ستمتلئ خلال خمس سنوات إن تواصل المعدل الحالي من التوسع».
بدا كلاهما في العشرينيات من عمره، كانا طويلين وفي حالة صحية ممتازة.
«رغم ذلك»، قال في-جي-23-إكس «أتردد في تقديم تقرير متشائم إلى مجلس المجرة».
«لم أكن لآخذ بعين الاعتبار أي تقرير آخر.. قم بهز أعضاء المجلس قليلاً.. علينا أن نجعلهم يشعرون بهزة».
في-جي-23-إكس تنهد.. «الفضاء لا نهائي.. مئة مليار مجرة موجودة كي نستغلها.. بل أكثر».
« مئة مليار ليست لا نهائية أو أبدية، وهي تصبح أقل أبدية مع مرور الوقت.. فكّر بالأمر، قبل عشرين ألف سنة، الجنس البشري حل مشكلة استخدام الطاقة الشمسية، وبعد بضعة قرون، أصبح السفر بين النجوم ممكناً.. استغرق البشر مليون عام لملء كوكب واحد صغير ثم استغرقوا خمسين ألف عام فقط لملء بقية المجرة.. والآن، يتضاعف عدد السكان كل عشرة أعوام».
في-جي-23-إكس قاطعه قائلاً: «يمكننا شكر الخلود على ذلك».
«حسناً.. الخلود موجود وعلينا أخذه في عين الاعتبار.. أقر أن هناك جانباً كريهاً لهذا الخلود.. كمبيوتر المجرة قام بحل مشكلات كثيرة لنا، لكن بحله المشكلة الخاصة بالشيخوخة والموت، قام بإبطال كل حلوله الأخرى».
«لكنك رغم ذلك لا تريد الموت، أعتقد».
«بالطبع لا» أجاب إم-كيو-17جي بسرعة، ثم خفف من نبرة صوته بالقول: «ليس بعد.. فأنا ما زلت شاباً.. كم عمرك؟»
«مئتان وثلاثة وعشرون.. وأنت؟»
«أنا لم أبلغ مئتي عام.. لكن بالعودة إلى نقطتي.. عدد السكان يتضاعف كل عشر سنوات.. عندما ستمتلئ هذه المجرة، فسنملأ أخرى خلال عشر سنوات.. وفي غضون عشرة أعوام أخرى سنملأ مجرتين إضافيتين، وفي عقد آخر سنملأ أربع مجرات أخرى.. في مئة عام، سنكون قد ملأنا ألف مجرة.. في ألف عام سنملأ مليون مجرة.. في عشرة آلاف عام، سنملأ كل الكون المعروف.. ثم ماذا؟»
في-جي-23-إكس قال: «هناك كذلك مشكلة إضافية ليست ثانوية؛ مشكلة المواصلات.. أتساءل عن عدد وحدات الطاقة الشمسية التي ستكون مطلوبة لنقل سكان مجرة إلى مجرة أخرى».
«هذه نقطة جيدة.. فالبشر يستهلكون وحدتي طاقة شمسية كل عام».
«معظمها يتم إهداره بلا فائدة.. فرغم أن مجرتنا وحدها تقدم ألف وحدة طاقة شمسية سنوياُ، نحن نستخدم اثنتان منهما فقط».
«أتفق معك، لكن حتى بكفاءة تبلغ مئة في المئة، فكل ما سنكون بصدده هو تأجيل النهاية.. احتياجات الطاقة لدينا تتصاعد على شكل متتالية هندسية، بصورة تفوق حتى النمو السكاني.. ستنفد الطاقة لدينا بسرعة أكبر من سرعة نفاد المجرات المتوفرة لنا.. ما أثرته هو نقطة جيدة.. نقطة جيدة جداً».
«سيكون علينا بناء نجوم جديدة باستخدام الغاز ما بين النجوم».
«أو من الحرارة التي يتم تبديدها؟» يسأل إم-كيو-17جي بسخرية.
«قد تكون هناك طريقة لعكس الإنتروبيا.. علينا أن نسأل كمبيوتر المجرة.»
في-جي-23-إكس لم يكن جاداً فعلاً، إلا أن إم-كيو-17جي أخرج آلة الاتصال بكمبيوتر المجرة من جيبه ووضعها على الطاولة أمامه، وقال: «لست متأكداً من هذا الأمر.. لكنه شيء سيتوجب على الجنس البشري مواجهته في يوم ما».
حدق بتجهم في آلة الاتصال الصغيرة.. الآلة بحد ذاتها كانت عبارة عن مكعب صغير لا أكثر، لكنها كانت متصلة من خلال الفضاء الفائق (Hyperspace) بالكمبيوتر العظيم الذي كان في خدمة البشرية جمعاء.. وبأخذ الفضاء الفائق في عين الاعتبار، فمن السهل إدراك أن آلة الاتصال الصغيرة كانت من ناحية عملية تشكل جزءاً من كمبيوتر المجرة.
إم-كيو-17جي توقف للتساؤل عما إذا كان في أحد أيام حياته الخالدة سيرى كمبيوتر المجرة؛ الذي كان موجوداً على كوكب صغير خاص به؛ وكان بمثابة شبكة عنكبوتية من الأشعة الممسكة بالمادة التي تحتوي في داخلها على موجات من جسيمات دون ميزونية (Submesons)؛ كانت حلت محل الصمامات الجزيئية الرديئة.. ورغم أدواته الممتدة في المحيط الافتراضي، فقد كان معروفاً أن كمبيوتر المجرة الآلي كان ممتداً لنحو ثلاثمئة متر.
إم-كيو-17جي وبصورة مفاجئة سأل آلته الخاصة بالاتصال بكمبيوتر المجرة: «هل من الممكن عكس الإنتروبيا؟»
في-جي-23-إكس بدا مذهولاً وقال على الفور: «أنا لم أقصد أن أجعلك تطرح السؤال بالفعل».
«لم لا؟»
«كلانا يعرف أن الإنتروبيا لا يمكن عكسها.. لا يمكنك إرجاع الدخان والرماد لتحولهما إلى شجرة».
«هل توجد أشجار في العالم الذي جئت منه؟» سأل إم-كيو-17جي.
صوت كمبيوتر المجرة فاجأهم وأعادهم إلى الصمت.. صوته جاء رقيقاً وجميلاً عبر آلة الاتصال الصغيرة على الطاولة.. وقال: معلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى.
في-جي-23-إكس: «رأيت!»
الرجلان عادا بعد ذلك إلى السؤال المتعلق بالتقرير الذي كانا يعملان من أجل تسليمه إلى مجلس المجرة.
-----------------------------------------------

عقل زي برايم امتد في التفكير على طول المجرة الجديدة، مظهراً اهتماما ضعيفاً بالأعداد الكبيرة للنجوم التي شكلتها.. لم يسبق له رؤية تلك المجرة من قبل.. هل سيتمكن من رؤية كل النجوم؟ كل هذه النجوم، كل منها بجميع ما يلتحق به من حمل بشري.. حمل ساكن أو لا فائدة منه.. أكثر فأكثر، كان يمكن العثور على جوهر الإنسان هنا؛ في الفضاء.
عقول، لا أجساد! الأجساد الخالدة بقيت على الكواكب، معلقة على مدى دهور.. في بعض الأحيان كانت تستيقظ لتأدية نشاط مادي ما، لكن ذلك كان يتحول تدريجياً إلى أمر نادر.. وكان عدد قليل من الأفراد يظهر وينضم إلى الحشد العظيم، لكن ما أهمية ذلك؟ لم تعد هناك مساحة كافية في الكون لأعداد إضافية من الأفراد.
زي برايم استيقظ من تأملاته عند التقائه بطيف عقل آخر.
«أنا زي برايم،» قال زي برايم. «من أنت؟»
«أنا دي سب وون. ما هي مجرتك؟»
«نحن نسميها المجرة، فحسب. وأنت؟»
«نحن نطلق على مجرتنا الاسم نفسه.. كل البشر يسمون مجراتهم هكذا، لم لا؟»
«صحيح.. بما أن كل المجرات متشابهة.»
«ليس كل المجرات.. في واحدة من تلك المجرات تحديداً نشأ الجنس البشري.. هذا يجعلها مختلفة.»
زي برايم قال: «أي واحدة منها؟»
«لا أعرف.. الكمبيوتر الكوني قد يعرف».
«هل نسأله؟ أشعر بفضول مفاجئ».
إدراك زي برايم امتد وعاد للماضي إلى الوقت الذي كانت فيه المجرات متقاربة من بعضها، بخلفية أكبر بكثير.. مئات كثيرة من المليارات، في كل منها كائنات خالدة، وكلها تضم حملاً من الذكاء في عقول منسابة بحرية في الفضاء.. لكن واحدة منها كانت مميزة عن المجرات الأخرى؛ لأنها كانت المجرة الأصلية.. كان لواحدة منها، في ماضيها السحيق المبهم، فترة زمنية كانت خلالها المجرة الوحيدة التي قطنها البشر.
الفضول أصبح متحكماً بزي برايم الذي أراد رؤية تلك المجرة، وصاح قائلاً: «أيها الكمبيوتر الكوني، في أي مجرة نشأ الجنس البشري؟»
الكمبيوتر الكوني سمع السؤال، حيث كانت لديه أجهزة استقبال جاهزة على كل كوكب وعلى امتداد الفضاء، وكل جهاز استقبال كان يوصل على امتداد الفضاء الفائق إلى نقطة غير معروفة أبقى فيها الكمبيوتر الكوني نفسه منعزلاً عن كل شيء.
زي برايم عرف فقط عن شخص واحد تمكنت أفكاره من اختراق مسافة الاستشعار الخاصة بالكمبيوتر الكوني.. ذلك الشخص أبلغ أنه شاهد بصعوبة جسماً كروياً مضيئاً، قطره نصف متر.
«لكن هل من الممكن أن يكون الكمبيوتر الكوني هو ذلك فقط؟» سأل زي برايم.
«معظمه في الفضاء الفائق،» جاءت الإجابة.. «لكن لا يمكنني تخيل الصورة التي يوجد بها هناك».
لا يمكن لأي شخص تخيل ذلك، وكان زي برايم يعرف أن وقتاً طويلاً مر منذ أن اشترك رجل، آخر مرة، في صنع أي شيء مرتبط بالكمبيوتر الكوني.. كل كمبيوتر كوني كان يصمم ويبني من يعقبه.. وخلال فترة وجوده التي تبلغ مليون عام أو أكثر، تراكمت لدى كل كمبيوتر المعلومات اللازمة لبناء آخر أفضل منه وأكثر تعقيداً، وأكثر قدرة على استيعاب الشخصية الفردية للكمبيوتر الأصلي وكم المعلومات التي كانت محفوظة فيه.
الكمبيوتر الكوني قاطع أفكار زي برايم، ليس بكلمات، بل بإشارة؛ إذ تمت قيادة ذهن زي برايم إلى بحر مضطرب من المجرات، حيث تم تكبير واحدة منها بشكل واضح.. فكرة جاءت، بعيدة بلا حدود، لكن بوضوح: "هذه هي مجرة البشر الأصلية".

لكنها كانت مشابهة لأي مجرة أخرى.. فكتم زي برايم خيبة أمله.
دي سب وون، الذي صاحب عقله عقل زي برايم، قال فجأة: «وهل أحد هذه النجوم كان نجم البشر الأصلي؟»
أجاب الكمبيوتر الكوني: "نجم البشر الأصلي تحول إلى نوفا منذ زمن طويل.. الآن هو قزم أبيض".
«هل مات البشر حوله؟» سأل زي برايم بدهشة ومن دون تفكير.
الكمبيوتر الكوني قال: "مع الوقت، تم إنشاء عالم جديد لأجسادهم، كما هو الحال في مثل تلك الظروف".
«نعم، بالطبع،» قال زي برايم، لكن بشعور من الخواء.. ذهنه ترك مجرة البشر الأصلية وسمح لها بالعودة والاختباء بين النقاط البعيدة غير الواضحة.. ولم يرغب في رؤيتها مجدداً.
دي سب وون قال «ماذا حدث؟»
«النجوم تموت.. النجم الأصلي مات».
«كلها ستموت.. ما الغريب في ذلك؟»
«لكن عندما تنتهي كل الطاقة، أجسادنا ستموت.. أنا وأنت سنموت».
«سيستغرق الأمر مليارات السنين.»
«أنا لا أريد أن يحدث ذلك، حتى بعد مليارات السنين.. أيها الكمبيوتر الكوني! كيف يمكن منع النجوم من الموت؟»
دي سب وون قال بفرح: «أنت تسأل عما إذا كان ممكناً عكس اتجاه الإنتروبيا».
الكمبيوتر الكوني أجاب: معلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى.
أفكار زي برايم تراجعت باتجاه مجرته.. لم يقدم أي فكرة إضافية لدي سب وون، الذي يمكن أن يكون جسده موجوداً في مجرة تبعد تريليون سنة ضوئية، أو عند نجم قريب من نجم زي برايم نفسه.. لم يكن لذلك أهمية.
بتعاسة، بدأ زي برايم بتجميع هيدروجين ما بين نجمي يمكن باستخدامه بناء نجم خاص به.. فإن ماتت النجوم في يوم ما، يمكن على الأقل بناء بعض النجوم الأخرى.
-----------------------------------------------

الإنسان كان يفكر بنفسه عبر نفسه، لأنه، الإنسان، كان ذهناً واحداً.. كان مكوناً من تريليون تريليون تريليون جسد دائم الشباب، كل في مكانه، كل يرتاح بهدوء لا يمكن إفساده، كل يتم الاعتناء به من قبل إنسان آلي مثالي هو كذلك لا يمكن إفساده.. كل هذا في حين التحمت عقول جميع تلك الأجساد بحرية ببعضها البعض، ولا يمكن تمييزها.
الإنسان قال: «الكون يموت».
نظر الإنسان إلى المجرات التي تخفت شيئاً فشيئاً.. النجوم العملاقة، المبذرة في طاقتها، ماتت منذ زمن طويل، في أخفت وقت من الماضي السحيق.. كل النجوم تقريباً كانت أقزاماً بيضاء، تخفت باتجاه نهايتها.
نجوم جديدة تم بناؤها من الغبار ما بين النجمي، بعضها تم بناؤه عبر عمليات طبيعية، وبعضها الآخر بناه الإنسان نفسه، وتلك النجوم كانت هي أيضاً في طريقها نحو النهاية.. كان يتم حتى ذلك الوقت صدم الأقزام البيضاء ببعضها البعض، وكانت القوى العظيمة الناتجة تستخدم لإنشاء نجوم جديدة... لكن كان ينتج نجم واحد فقط عن تدمير ألف قزم أبيض، والنجوم الناشئة هي أيضاً ستموت.
الإنسان قال: «تم توفيرها بعناية، تماماً وفق تعليمات الكمبيوتر الفوق كوني.. الطاقة التي خلفها الكون ستستمر لمليارات السنين».
«لكن رغم ذلك» قال الإنسان، «سيصل كل شيء إلى نهايته.. مهما كانت عملية التوفير في الموارد، مهما تم تمديد إمكانية استخدامها، الطاقة، التي كانت تُستهلك، انتهت ولا يمكن استرجاعها.. الإنتروبيا يجب أن تزداد أبداً حتى الحد الأقصى».
قال الإنسان: «هل يمكن عكس الإنتروبيا؟ فلنسأل الكمبيوتر الفوق كوني».
الكمبيوتر الفوق كوني أحاط بهم، لكن ليس في الفضاء.. لم يكن أي جزء منه في الفضاء.. كان في الفضاء الفائق وكان مصنوعاً مما هو ليس مادة ولا طاقة.. لم يعد لمسألة حجمه وطبيعته أي معنى يمكن للإنسان فهمه.
«أيها الكمبيوتر الفوق كوني» قال الإنسان، «كيف يمكن عكس الإنتروبيا؟»
الكمبيوتر الفوق كوني قال: «ما زالت المعلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى».
فقال الإنسان: «قم بجمع معلومات إضافية».
الكمبيوتر الفوق كوني قال: «سأفعل ذلك.. هذا هو ما كنت أفعله خلال المئة مليار سنة الماضية.. لقد طرح هذا السؤال أكثر من مرة على أسلافي وعلي أنا.. كل المعلومات المتوفرة لدي لا تزال غير كافية».
«هل سيأتي وقت ستكون فيه المعلومات كافية» سأل الإنسان، «أم أن المشكلة لا يمكن حلها في أي ظروف يمكن تصورها؟»
الكمبيوتر الفوق كوني قال: «لا توجد مشكلة لا يمكن حلها في كل الظروف الممكن تصورها».
قال الإنسان: «متى سيكون لديك معلومات كافية للإجابة عن السؤال؟»
أجاب الكمبيوتر الفوق كوني: «ما زالت المعلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى».
«هل ستواصل العمل في هذا الشأن؟» سأل الإنسان.
الكمبيوتر الفوق كوني قال: «نعم، سأفعل».
قال الإنسان: «سننتظر».
-----------------------------------------------

النجوم والمجرات ماتت وانتهت حياتها، والفضاء أصبح أسوداً بعد عشرة تريليونات عام من ذلك.
تدريجياً، اندمج الكمبيوتر بالإنسان، وكل جسد فيزيائي فقد هويته الذهنية الخاصة، لكن بأسلوب لم يكن خسارة بل مكسباً.
عقل الإنسان الأخير توقف للحظة قبل الاندماج، ونظر إلى الفضاء الذي احتوى على لا شيء، باستثناء رواسب آخر نجم مظلم، إضافة إلى مادة في غاية الضآلة، تحركها بشكل عشوائي بقايا حرارة تنتهي؛ وتقترب من الصفر المطلق.
الإنسان قال: «أيها الكمبيوتر، هل هذه هي النهاية؟ ألا يمكن عكس هذه الفوضى وتحويلها إلى كون مجدداً؟ ألا يمكننا فعل ذلك؟»
الكمبيوتر قال: «ما زالت المعلومات غير كافية لتقديم إجابة ذات معنى».
العقل الأخير للإنسان اندمج كذلك، وبقي الكمبيوتر وحده – في الفضاء الفائق.
-----------------------------------------------
انتهت المادة والطاقة، ومعهما انتهى المكان والزمن.. حتى الكمبيوتر، كان وجوده مقترناً بالإجابة عن السؤال الذي لم يتمكن من الإجابة عنه منذ قام تقني نصف ثمل قبل عشرة تريليونات عام بتوجيهه إلى جهاز آلي يعد بالنسبة للكمبيوتر أقل مما يشبه مقارنة أي رجل بالإنسان.
كل الأسئلة الأخرى تم العثور على أجوبتها، والكمبيوتر لم يكن ليتخلى عن وعيه من دون الإجابة عن ذلك السؤال الأخير.
كل المعلومات المجمعة وصلت إلى نهايتها الأخيرة.. لم يتبق شيء يمكن جمعه أو الحصول عليه.
لكن كل المعلومات المجمعة كان يجب ربطها ببعضها البعض والتوصل إلى العلاقة بينها بكل الطرق.
مر وقت لا يمكن حسابه أثناء قيامه بهذا الأمر.
وتوصل الكمبيوتر إلى تعلم كيفية عكس اتجاه الإنتروبيا.
لكن لم يكن هناك أي إنسان يمكن للكمبيوتر أن يقدم له إجابة السؤال الأخير.. هذا ليس مهماً.. فالإجابة – بالتنفيذ العملي – ستتكفل بهذا الأمر، أيضاً.
لفترة أخرى لا يمكن حساب زمنها، فكر الكمبيوتر بالأسلوب الأفضل للقيام بذلك.. وبحرص، قام الكمبيوتر بوضع البرنامج وتنظيمه.
وعي الكمبيوتر أحاط بالكون بكل ما كان فيه، وحضن ما أصبح الآن فوضى.. يجب فعل ذلك خطوة بخـطوة.
وقال الكمبيوتر:  «ليكن نور».
وكان نور.

_________

*"الإنتروبيا هو مقياس لعدد من الطرق المحددة التي يمكن وفقها ترتيب نظام ما، غالبا ما يؤخذ ليمثل مقياس الفوضى ليكون على قدر من الاضطراب. الإنتروبيا الخاصة بنظام معزول لا تتناقص أبداً، لأن الأنظمة المعزولة تتطور بشكل عفوي باتجاه حالة التوازن الحراري، التي تعتبر حالة الإنتروبيا القصوى."

هناك 4 تعليقات:

  1. قصة رائعة فعلا من مخيلة منتصف القرن العشرون الميلاد تقوم بطرح السؤال الابدي: "هل يمكن ان نعيش الى الأبد؟" واعجبتني حقا فكرة اندماج البشر مع بعضهم ومع الالة ليصبحوا وعي واحد اوحد او اله بشكل اخر لكن لم أفهم كيف امكن للكومبيوتر الاخير من الناحية العلمية ان يخلق الكون من جديد بعد انتهاء المادة والطاقة بمعنى زوال وانتهاء الكومبيوتر نفسه وكل شئ يمكن تخيل وجوده في الكون؟

    ردحذف
  2. راااائع.
    أشكرك جدًا على المجهود في نقل قصة جميلة كتلك.

    ردحذف