الأحد، 26 يوليو 2015

الإعلام الغربي.. وداعش

الحديث عن تنظيم داعش كان غريباً وغامضاً منذ الظهور المفاجئ لهذه الجماعة المتطرفة.. منذ البداية، لم نفهم، أو لم يرد أحد أن يفهمنا، من أين جاء المقاتلون؟ كيف وصلوا إلى العراق وسوريا؟ من قدّم لهم السلاح والمال؟ كيف تمكنوا من الانتصار على الجنود العراقيين المزودين بأحدث الأسلحة الأمريكية؟ وكيف تمكنوا من التمدد في سوريا، في وقت كانت هناك فيه مجموعات مسلحة أخرى منتشرة في مناطق مختلفة، لعل أبرزها الجيش الحر وجبهة النصرة وغيرهما.. لكن الأغرب في كل ما نشهده اليوم هو الأسلوب الذي يتعامل وفقه الإعلام الغربي مع المجموعات المتطرفة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها داعش، ووجودها ومستقبلها في المنطقة.
الأمثلة كثيرة، لكن البداية يجب أن تكون من تصريحات المسؤولين الأمريكيين.. ليون بانيتا المدير العام لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) سابقاً أكد في إحدى المقابلات (6 أكتوبر 2014) أن الحرب على داعش ستستغرق ثلاثين عاماً على الأقل.. بانيتا قال أيضاً إن الحرب على هذا التنظيم يجب أن تشمل قتاله في دول منها نيجيريا، الصومال، اليمن، ليبيا وغيرها.. ما يمكن فهمه وفق هذا التقديم الإعلامي الذي أتانا من "خبير" أمريكي في مجال الاستخبارات والجاسوسية والعمليات السرية هو أن هذه الجماعة المسلحة، وبصورة مفاجئة، أصبحت خطراً عالمياً تتطلب مواجهتها معارك طاحنة وجولات من الكر والفر تتواصل على مدى عقود.. لكن ما تتجنبه وسائل الإعلام هو الحديث عما سيحدث في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم خلال هذه العقود، وكيف سيحيا سكان تلك المناطق، وكيف ستتم عملية البناء والتربية لجيل كامل سينشأ في ظل هذا الظلم والظلام.
بعد مرور بعض الوقت، ومع تواصل "المعارك" وعمليات القصف هنا وهناك على مواقع التنظيم ومعاقله، بدأت بعض العقول الغربية في تحليل الوضع وتقديم تصور "واقعي" لما يحدث على الأرض..
 مجلة "نيوزويك" (2 يونيو 2015) نشرت عدداً حمل غلافه العنوان الرئيس التالي: Is ISIS Winning أو "هل داعش هو الذي ينتصر؟".. كاتب المقال بيل بويل، وبعد استعراض أوضاع المنطقة والصراع السني الشيعي فيها، وبعد الحديث عن المواجهة بين السعودية وإيران، يصل إلى استنتاج مفاده أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة ستستمر، وأن الحالة الحالية مرشحة للبقاء حتى أجل غير معلوم.. هنا الصورة بدأت في التغير بعض الشيء؛ إذ أنه وبعد الحديث عن إضعاف التنظيم وتدميره بعمليات عسكرية مركزة تشارك فيها عشرات الدول، أصبح النقاش اليوم مرتبطاً بمدى واقعية هزيمة هذا التنظيم، وظهرت مع هذا النقاش احتمالات جديدة، منها أن يتمكن داعش من الانتصار.. على العالم أجمع.
"فورين بوليسي" مجلة أخرى لا تقل شأناً عن السابقة، خرجت في العاشر من يونيو الماضي بصورة تمثل "الخليفة البغدادي" وهو يلقي كلمة في الأمم المتحدة.. كان عنوان المقال الذي كتبه البروفيسور ستيفان والت هو What Should We Do if the Islamic State Wins أو "ما الذي يجب علينا فعله لو انتصرت الدولة الإسلامية؟" مجدداً، الحديث هنا هو عن إمكانية لم تكن لتخطر في بال أحد عند النظر في مواجهة بين مسلحين ضعيفين في التدريب والخبرة وبين أعتى جيوش العالم.. ما يتفتق عنه ذهن الكاتب هنا هو ضرورة عمل الولايات المتحدة على احتواء هذا الكيان الناشئ وإقناع دول مثل السعودية والأردن وإيران وتركيا بقيادة عملية المواجهة مع دولة التنظيم والعمل على الحيلولة دون تمكنها من نشر رسالتها.. ما يعني أن "دولة الخلافة" وفق هذه الرؤية ستبقى، على الأقل ضمن حدودها الحالية، وأن كل ما علينا عمله هو الحد من قدرتها على السيطرة على أراض أخرى ومنعها من نشر فكرها الديني المتطرف.
توضيح نقطة الاحتواء المذكورة سابقاً جاء ضمن مقالة للمؤرخ جيمس كارافانو تم نشرها في مجلة "ذا ناشيونال إنتريست".. الكاتب اختار  لمقاله عنواناً لا يتطلب بدوره أي توضيح:
" ? Where Are the Arabs in the Fight against ISIS" أو "أين هم العرب في القتال ضد داعش؟".. خلاصة هذا المقال واحدة؛ أن الجيوش العربية "تفتقد القدرات المرتبطة بالخدمات اللوجستية وبالتخطيط لحملات عسكرية، وليست لديها الأسلحة والأصول اللازمة لشن حملة عسكرية هجومية".. بالإشارة إلى المقال السابق، يبدو أن احتواء داعش عبر جهد عسكري منسق بين الدول العربية (إضافة إلى إيران) هو فكرة مثبت فشلها قبل البدء بتطبيقها.. فكارافانو يؤكد عدم وجود جيوش عربية قادرة على الفعل في هذه المنطقة، ما يعني أن دولة البغدادي المزعومة باقية.
بعد كل هذا، نجد أن البعض بدأ يتعامل مع المجموعات المتطرفة باعتبارها واقعاً لا مفر منه.. فقد أقدمت صحيفة "ذا واشنطن بوست" على نشر مقالة لشخص اسمه لبيب النحاس، تم تقديمه بصفته المسؤول عن العلاقات السياسية الدولية في جماعة أحرار الشام.. من دون الخوض فيما جاء في مقالة النحاس وحديثه عن "الثوار" في سوريا، وهجومه على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فإن سماح صحيفة بحجم "ذا واشنطن بوست" بنشر مقالة لشخص يمثل هذه الجماعة الدينية المتطرفة، سواء كانت تقاتل مع داعش أو ضده، يعد إشارة إلى تحول واضح في المواقف.. فالحديث لم يعد اليوم عن تدمير داعش والجماعات المتطرفة التي تشبهه، بل عن التعامل مع هذه التنظيمات والعمل معها، ربما لتحقيق مصالح غربية معينة في المنطقة لم يتم تحقيقها عبر التواصل والتعاون مع الأنظمة السياسية.
ختاماً، يبدو أن أكثر ما جاءتنا به وسائل الإعلام الغربية طرافة عن تنظيم داعش هو ما تم نشره في مجلة "ذا نيشان" التي خرجت بمقالة عنوانها "هل كان التغيرالمناخي مسؤولاً بشكل جزئي عن ظهور داعش؟".. تحول هذا التنظيم إلى جزء من بانوراما المنطقة ربما بسبب غازات الدفيئة الخضراء والاستخدام المتنامي للوقود الحفري؟ ربما.

هناك تعليقان (2):

  1. يبدو انه لا يوجد ابدا إعلام نزيه يا سيدي والدليل ان الكل يسعى لضمان مصالحه سواء بطرق شريفة او خسيسة ومحاربة الفقر والجهل و ..الخ من طرف الحكومات ماهي إلا اقنعة يضعها أصحاب السلطة طبعا واللائمة دوما تقع على الحكام العرب لانهم من اذلونا وجعلونا نتخلف عن الركب الحضاري

    ردحذف
  2. هذا يوضح لنا ان الدول العربية عبارة عن أحجار شطرنج تتحكم بها السياسة الأمريكية والسبب... هو أن جميع الدول العربية تبحث عن مصلحتها الفردية بغض النظر عن الدول العربية الشقيقة الأخرى

    ردحذف