الأحد، 4 سبتمبر 2016

الخيال العلمي

الخيال العلمي


أحد الأنواع الأدبیة التي یتفنن فیھا الكتاب في نقل القراء من عالمھم الذي یعیشونه إلى عالم آخر قد نحیاه في المستقبل؛ بكافة تفاصیله ودقائقه... الكثیر من روایات الخیال العلمي حملت لنا رؤى حقیقیة عن أمور لم نفھم فحواھا حتى وجدناھا تتحول إلى جزء من حیاتنا بعد سنوات من توقّع كاتب من كتاب الخیال العلمي حدوثھا.

یضم الخیال العلمي العدید من الأنواع الأدبیة المختلفة؛ لھذا یختلف الكثیرون حول نشأته وتاریخ تطوره.

الفیلسوف لوقیانوس
حتى أن ھناك من یرجع بدایاته إلى الإغریق؛ كما في قصة "التاریخ الحقیقي" أو "القصة الحقیقیة" التي كتبھا الفیلسوف والكاتب الساخر لوقیانوس في القرن الثاني قبل المیلاد والتي كانت الأولى في التحدث عن السفر في الفضاء وعن عوالم أخرى في الكون وعن حروب بین شعوب تلك العوالم الفضائیة... ووفقاً لرأي باحثین آخرین، فالقصة التي وصلتنا عن قارة أطلانطیس، كما رواھا أفلاطون، لا تتعدى كونھا إحدى روایات الخیال العلمي التي تتحدث عن حضارة متقدمة، یعتقد المؤمنون بوجودھا أن أحد أسباب فنائھا كان عدم قدرتھا على التحكم في وسائل الدمار التي تمكن أبناؤھا من الوصول إلبھا... 

ملحمة "رامايانا"
وھناك كذلك من  رأى عوامل متعددة من أسس الخیال العلمي في الأعمال الملحمیة الھندیة مثل "رامایانا" وھي ملحمة شعریة قدیمة باللغة السنسكریتیة التي تحدث مؤلفھا فالمیكي، الذي عاش في القرن الرابع قبل المیلاد، عن آلات أسطوریة قادرة على الطیران تسمى فیمانا... ھناك من یعتقد كذلك أن عدداً كبیراً من الروایات الدینیة لا یتعدى كونھ مجرد قصص من عالم الخیال العلمي؛ فقصة سفینة نوح الموجودة في كتب الدیانات الثلاث، مثلا ، مستوحاة من روایة سومریة تعود إلى القرن الثامن عشر قبل المیلاد تتحدث عن فیضان ضخم جلبه الإله (أو الآلھة) عقاباً للبشر؛ إلا أن نوح (وفي الروایة السومریة: زاسودرا) یصله تحذیر بضرورة بناء سفینة تحمل جمیع الكائنات الحیة حتى ینتھي الفیضان؛ وھو ما یذكرنا بقصص الخیال العلمي التي تتحدث عن نھایة العالم وضرورة إنقاذ ما یمكن إنقاذه على متن مركبة فضائیة تغادر الأرض باتجاه كوكب آخر قد یدعم الحیاة.


كتاب "ألف ليلة وليلة" 



حتى في كتاب "ألف لیلة ولیلة" ھناك بعض القصص التي تضم بعض عوامل الخیال العلمي؛ مثل قصة "حكایة الحكماء أصحاب الطاووس والبوق والفرس"؛ ففي ھذه الحكایة ھناك حصان آلي یمكنه الطیران، وبوق یعمل كجرس إنذار في حالة دخول عدو المدینة، وطاووس من ذھب یعمل كساعة ومنبه.




الخیال العلمي المعاصر
البدایة الحقیقیة لروایات الخیال العلمي جاءت عام 1818؛ عندما قامت ماري شیلي بنشر روایتھا Mary Shelley "فرانكنشتاین" التي یتم فیھا استخدام أعضاء من أجساد بشر متوفین لخلق رجل جدید أكثر قوة وضخامة وذلك بالاستعانة بعالم الكھرباء الذي كان غامضاً بعض الشيء في ذلك الوقت... عنصر الدھشة الذي یخلق شعوراً بالتعجب والذھول، إلى حد ما، یأتي لیس من مشھد تكون العناصر الواقعیة فیه مركبة من عوامل خیالیة فحسب، بل عندما تفقد العلاقة الزمانیة المكانیة مفھومھا ؛ ما یخلق حالة توجد بھا أبعاد مختلفة تماماً؛ في كل بُعد منھا منطق وقوانین خاصة به... أول من تمكن من خلق ھذا المشھد بكافة عناصره الواقعیة وربطھا بعوامل خیالیة ھو الكاتب الأمریكي الشھیر إدغار ألان بو Edgar Allan Poe في قصته القصیرة "A Descent into the Maelström" وكان ھو من فتح الباب أمام أحد أھم كتاب الخیال العلمي؛ الفرنسي جول فیرن Jules Verne... وفي حین ركز إدغار في قصصه على الجانب الداخلي لشخصیاته بعواملھا النفسیة ورموزھا الخفیة، عمل فیرن على التركیز على العوامل الخارجیة التي نتجت عن الاكتشافات العلمیة؛ فترك للإنسانیة أعمالاً خالدة مثل "رحلة إلى مركز الأرض"، "من الأرض إلى القمر"، "عشرون الف فرسخ تحت الماء" وغیرھا الكثیر... وھو في العدید من ھذه الروایات لم یقم فقط بتصویر وقائع خیالیة، بل قام أیضاً باستخدام الأسس العلمیة والتكنولوجیة المكتشفة أو التي كان البحث لا یزال مستمراً حولھا كي یخلق عوالمھ ومكوناتھا؛ مثل تحویل قذیفة المدفع إلى مركبة فضائیة تتوجھ إلى القمر، أو التفكیر في مستقبل الغواصات الأولى التي استخدمت في الحرب الأھلیة الأمریكیة للوصول إلى الغواصة العملاقة "ناوتیلوس" بقیادة القبطان نیمو.

النقل الآني Teleportation،
السفر في الزمن Time Travel؛
كلھا أفكار خطرت أولاً على بال كتاب الخیال العلمي، 
قبل بدء بحث العلماء فیھا.

الانتقال من مرحلة تخیل المستقبل إلى مرحلة طرح تساؤلات حول طبیعته وحول المشكلات التي سیجلبھا التقدم الإنساني جاء مع الكاتب الإنجلیزي ھربرت جورج ویلز H. G. Wells الذي یمكننا اعتباره أحد أعمدة الخیال العلمي الذي نعرفه الیوم... ففي كل واحدة من روایاته ھناك عامل یعتبر علمیاً: "حرب العوالم" حول حروب تجري في الفضاء، "آلة الزمن" التي تبحث في كیفیة الانتقال من نقطة ما في الحاضر إلى الماضي أو المستقبل والعكس، و "جزیرة الدكتور مور" التي تحدث فیھا عن إمكانیة دمج المواصفات الوراثیة للإنسان والحیوان وذلك قبل اكتشاف الحمض النووي وظھور الھندسة الجینیة... كذلك من الممكن التفكیر في تساؤلات ویلز بھذه الطریقة: ”ما الذي سیحدث عندما یتمكن العلم من تقدیم إجابات على كافة الأسئلة؟“ وإجابته كانت: ”الإنسان سیبدأ في الدخول في عملیة انھیار وانحطاط، إذ أنه لن یعتمد بعد ذلك على الأسس الأخلاقیة والسیاسیة“.

عوالم الخیال العلمي لا تصور لنا المستقبل الذي سنعیشه بعد
عشرات (وربما مئات) السنین فحسب، بل تحاول كذلك تقدیم
صورة لما یمكن أن یحدث إذا ما واصلنا تطویر الآلات مثلاً...
فھل سنتمكن من تزوید الروبوتات بمشاعر وأحاسیس؟


القرن العشرون
الخیال العلمي انتشر بصورة واضحة في الولایات المتحدة وبشكل خاص بسبب ظھور المجلات من نوع Pulp Magazines وھي المجلات التي تصنع أوراقھا من لب الخشب أو نشارته وقطعه الصغیرة غیر المفیدة لاستخدامات أخرى؛ فقد كانت تكلفة ھذا الورق متدنیة للغایة ما سمح بانتشار ھذه المجلات بشكل غیر مسبوق... ومن ھنا، جاءت قصص كثیرة نعرفھا الیوم حول أبطال ھمھم حمایة البشریة أو حول كائنات مرعبة قادمة من كواكب بعیدة.


ومع ظھور قصص العدید من كتاب الخیال العلمي على صفحات تلك المجلات، وباستثناء إدغار رایس بوروس Edgar Rice Burroughs صاحب قصة طرزان، فقد كانت الأغلبیة الساحقة من الكتاب لیست ذا أثر یذكر.

الخیال العلمي ھو النوع الأدبي، الذي یقدم لنا إمكانیة رؤیة ما
وراء الواقع الذي نعیشه، لنسترق النظر إلى ما سوف
یكون في الغد أو في المستقبل البعید.


أحد أھم العوامل في تغییر ھذا الواقع كان بدء نشر مجلة Amazing Stories أو "قصص مدھشة" على ید من ینظر إلیه الكثیرون كعراب ومروج الخیال العلمي؛ ھیوغو غیرنزباك Hugo Gernsback، وھو الذي ساھم في خلق ما یسمى بالعصر الذھبي للخیال العلمي... فقد نشرت مجلته، إضافة إلى روایات فیرن وویلز، قصصاً لجون كامبیل John Campbell وجاك ویلیامسون Jack Williamson وإدموند هاملتون Edmond Hamilton... وفي ھذه المرحلة ظھر التفاؤل في مؤلفات الخیال العلمي؛ إذ كانت إبداعات التكنولوجیا في أوجھا، لكن لیس ھذا فحسب، فروایات Foundation للكاتب الشھیر إسحق آسیموف Isaac Asimov اعتمدت بشكل أساسي على كتاب "تاریخ أفول وسقوط الدولة الرومانیة" بكل ما یلقي ذلك من معان عمیقة على المستقبل البشري وكیف أن أسس ما حدث في الماضي قابلة للوقوع في المستقبل بغض النظر عن مدى التطور العلمي والتكنولوجي... وآسیموف بكتاباته أظھر أن العالم المتخصص أقدر على كتابة الخیال العلمي من غیره؛ وھذا الأمر تحول بالفعل إلى شبه قاعدة بعد ذلك.

الیوم، أدب الخیال العلمي من الأنواع التي تحظى بالاھتمام والتقدیر من القراء والنقاد والأدباء.






أفلام الخيال العلمي
مع بدایة عصر السینما، تسابق الكثیر من صناعھا إلى تحویل القصص الخیالیة التي تركھا لنا كتاب الخیال العلمي إلى أفلام یمكننا معھا رؤیة ما كان یدور في خلد أي منھم، وكذلك بسبب الفضول الموجود لدینا جمیعاً فیما یرتبط بمستقبلنا، وبما ھو أھم من ذلك، مصیرنا.
أفلام الخیال العلمي الأولى ظھرت في عھد السینما الصامتة ولم تزد مدتھا عن دقیقتین... أول أفلام الخیال العلمي جاء في عام 1902 مع فیلم "رحلة إلى القمر" المأخوذ عن قصة جول فیرن... وفي العام 1910 جاء فیلم "فرانكنشتاین" الذي كانت مدته 16 دقیقة فقط... في عشرینیات وثلاثینیات القرن الماضي، واصل المخرجون تطویر مفھوم وعناصر أفلام الخیال العلمي؛ ففي العام 1931 ظھر أول إصدار لفیلم "الدكتور جیكل والسید ھاید" وتم إنتاج نسخة جدیدة من فیلم "فرانكنشتاین"، وفي عام 1933 صدرت أول نسخة من قصة "الرجل الخفي" في صورة فیلم سینمائي... وبوصول خمسینیات وستینیات القرن العشرین، أصبح الخیال العلمي أحد أھم الأنواع التي یطمح المخرجون إلى العمل على إصدارھا... وبتطور العلوم والتكنولوجیات المختلفة، أصبح من الممكن جعل الصورة المشاھدة في أفلام الخیال العلمي أكثر صدقیة وواقعیة... وبوصولنا إلى أیامنا ھذه، من المنصف القول إنه بمعرفتنا الأشمل بالكون وقوانینه، أصبحت أفلام الخیال العلمي من الدقة في تقدیم المشاھد وفي توقع المستقبل بدرجة أفضل مما كانت علیه قبل عقود قلیلة من الزمن... كذلك، فإن معظم أفلام ھذا النوع تحمل في طیاتھا فكرة محوریة مرتبطة بطبیعة الإنسان ومخاوفه من المجھول القادم من المستقبل.

إلى اليسار: فیلم "آلة الزمن" (2002) والمأخوذ عن قصة ھربرت جورج ویلز...
مخرج الفیلم كان سایمون ویلز حفید الكاتب الشھیر.
إلى اليمين: فیلم "آلة الزمن" (1960).
مشاھد الفیلمین سیلاحظ على الفور الفارق التكنولوجي، 
الذي مثلته أربعة عقود فصلت بین النسختین...
كاتب السیناریو في كلا الفیلمین كان دیفید دنكان.


هناك تعليقان (2):

  1. الخيال شي عظيم شو ما كان نوعه 😆

    ردحذف
  2. روايات جول فيرن عشق أبدي

    ردحذف